العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    التمسك بالجذور

    كان أهلنا الذين شهدوا سنوات الانتقال نحو التحضر أكثر واقعية من الشباب الذين سافروا وتخالطوا مع أصحاب الفكر الوارد إلينا، عندما تمترسوا خلف ثقافة توارثوها من الذين سبقوهم، ولم يتركوا ذلك الجديد القادم ينتزعهم من جذورهم، رفضوا طرح الملحدين، واستنكروا ممارسات التقدميين، ولم يستبدلوا معتقداتهم بعقائد جماعة الإخوان، وتحصنوا خلف إيمانهم، فتلاشت «موضة» الجري خلف حزب أسسه ميشيل عفلق تحت شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» وسمي بحزب البعث، ولم يحصل ذلك التنوير الفكري بكل أطيافه على مؤيدين، وكان كل ما خرجوا به مجموعات متناثرة تجتمع في بؤر فاسدة، وتتلاعب بهم أفكار شيطانية، حتى انقرضت تلك الموجة التي ربطت الحضارة بإنكار المعتقد وتجاوزه، وبقي الإخوان.

    اعتقد الإخوان أن الفرصة أصبحت مواتية لهم، وقرروا اقتناصها، فتسلقوا كل وسيلة متاحة يمكن أن تحقق لهم الانتشار، وتستروا خلف «يافطات» الإصلاح، تلاميذ حسن البنا طرحوا أنفسهم كمصلحين للمجتمعات التي يدّعون أنها انحرفت عن المسار الصحيح، ولم تتقبلهم المجتمعات، خصوصاً بعد تجربتهم في المناصب العليا في بعض دول المنطقة، حيث لم ير الناس منهم غير العبث في مقدراتهم من خلال التصنيف التمييزي الذي مارسوه، ورغم كل التسهيلات التي وفرت لهم، والدعم اللامحدود الذي وضع في خدمتهم، رغم كل ذلك، اكتشف الإخوان أنهم ما زالوا قلة، وسيبقون قلة قليلة حتى يلحقوا بكل فكر شاذ جرب أتباعه أن يحصلوا على موطئ قدم في هذه المنطقة.

    لا ننكر تأثر المجتمعات الخليجية بتلك الأفكار، بعضها بدأت التحول في الخمسينيات والبعض الآخر في الستينيات والسبعينيات، ولا يزال الجيل الثاني من التنويريين الذين ظهروا في السنوات الأخيرة كنسخة مقلدة، أقول لكم مازال هؤلاء يتغنون بالجيل الأول ويرددون «بأن مجتمعاتنا كانت أكثر ليبرالية في منتصف القرن العشرين من جيل الألفية الثالثة»، وهذا كلام غير صحيح، فذلك التغيير لم يكن مرتبطاً بالليبرالية والعلمانية التي ينادون بها اليوم، فكل الذي حدث أن الاندفاع نحو الجديد كان «موضة» وليس إيماناً بفكر أو معتقد، والدليل أنها طالت «القشور» ولم تصل إلى لب التكون السائد.

    وما زلنا نستذكر.

    طباعة Email