00
إكسبو 2020 دبي اليوم

كان لبنان

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا ننكر أن لبنان كان في يوم من الأيام متحضراً، وكان متقدماً على كل البلاد العربية، كان أرض علم بجامعاته ومدارسه الداخلية ومعاهده المتخصصة، ومنارة ثقافية ومعرفية، إعلامه يلفت الأنظار، ومطابعه تزود الأمة كلها بكتب وصحف ومجلات لا تعرفها، وشعراء وأدباء وكتاب حفروا أسماءهم في الذاكرة العربية، وحرية غير معهودة، حرية رأي، وحرية «لبس» وأزياء وطرب وغناء، وحرية اختلاط وكسر كل قواعد الأعراف والتقاليد، وكان لبنان يجمع كل الذين لم تستوعبهم بلدانهم، يتكدسون في مقاهي شارع الحمرا وباراته، وكان لبنان أرض السياحة بجبله وخضرته ونضارة بحره، وكان لبنان صاحب أول شركة طيران عربية تسير رحلات منتظمة لدول الخليج التي كانت في بداية تعرفها على الخارج، لا ننكر ذلك، فقد تعلمنا الكثير من لبنان الذي فتحنا له أبوابنا، ووفرنا منطقة واعدة لكل مواطن لبناني راغب في العمل، فتوقفت هجرة ذلك الشعب إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا، استوعبناهم، وبنينا معهم علاقة «محبة وأخوة»!

كان لبنان، ولكنه لم يعد كذلك، ليس اليوم، بل منذ 1975، يوم سادت الهمجية، وعاد لبنان إلى عصور الظلام، يوم اشتعلت حرب أهلية بين الطوائف والقبائل والأعراق والأحزاب، يوم أصبح الإنسان يقتل حسب الهوية، وتحولت المنارة إلى مقبرة، ولولا دول الخليج لكان لبنان اليوم في حال أسوأ مما هو فيه بعشرات المرات، دول الخليج التي كانت تعيش حياة طبيعية، وعادية في مجتمعات صغيرة ومتناثرة، ويوم أنعم الله عليها بنت حضارة من العدم، نعم، وهذا ما نفتخر به، ولا نقبل بأن نفرط فيه، لدينا أناس يسهرون على صيانة المعجزات والانتقال بها إلى الأفضل، قادة لا يتهاونون مع العابثين، ورجال يبنون في صمت، وما عدنا نقارن أنفسنا بأحد، ولا نتنكر لأصلنا، بل نعتز به، بداوتنا صنعت علماء ومفكرين، بداوتنا سبقت الزمن في تحدٍ سجله التاريخ، وهذا يكفينا.

وليت الذين يعيشون على أوهام الماضي يتعلمون كيف تبنى الدول، وكيف يحافظ عليها، وكيف تزدهر الحضارات.

طباعة Email