خطّط ونفذ وضحى بجيشه

مُنح صدام عدّة فرص قبل أن يبدأ الهجوم البري، ولم يستجب لأي منها، كان الرجل يعيش في عالم آخر، صدق القصص والحكايات التي كانت تصاغ إرضاء لغروره، ابتداء من التسميات التي أطلقها على نفسه، وانتهاء بكذبة «الجيش الرابع» التي رددتها مراكز الدراسات العسكرية الغربية، فانطلقت أبواقه مع أصحاب الفتن في «نفخ» القائد المهيب، وتحدثت وسائل إعلامية لا ذمّة لها، إذ تبيع المواقف لمن يدفع، وصدام كانت خزائنه مفتوحة، تحدثوا عن نصر عظيم، وحذّروا من «مقبرة» معدّة لقوات التحالف في «أم المعارك» بأرض الكويت.

ابنة صدام تقول عن الكويتيين «هم عندهم شهداء ونحن عندنا شهداء»، هكذا، وبكل بساطة، ساوت الأخطاء، ثم ساوت بين الشهداء، أو من سقطوا نتيجة حرب التحرير، وليتها لم تتكلّم، وأضافت فوق صمتها طوال 17 عاماً صمتاً أبدياً، فالذين قتلوا من العراقيين، كانوا ضحايا غدر صدّام، والذين قتلهم رجال علي حسن المجيد في الكويت أو دفنوا في المقابر الجماعية بصحارى العراق، فهؤلاء شهداء جريمة صدام، لا يستوي هذا مع ذاك، لا يستوي الغادر بالمغدور، ولا المعتدي بالمعتدى عليه.

كان بإمكان صدام والد رغد أن يحافظ على حياة كل عراقي سقط بسبب الحرب، ولكنه لم يفعل، وهو يعرف نتيجة الحرب إذا قامت، فهو لم يستطع حماية بغداد، فكيف سيحمي الكويت؟! كان ذلك السؤال يلح على بال الجميع في الأيام الأخيرة من فبراير 1991، واقتنع الجميع بأن صدام أراد بغزوه الكويت أن يخفّف ضغط جيشه المنفلت منذ عاد من الجبهة الإيرانية، وكانت المدن العراقية الكبرى تعاني منه، بغداد والبصرة وغيرهما، فأرسل جيشاً قوامه 200 ألف جندي ليعيثوا فساداً في الكويت، ولم يقصروا، فحقق بذلك هدفاً، وأما الهدف الآخر، فقد كان يتمناه، وهو أن يسكت عنه مقابل مساومات عربية ودولية، وقد رُفض، فترك جيشه لمصيره المحتوم، ضحى بهم صدام عندما أمرهم بالانسحاب بعد بدء الهجوم البري المسنود بالطائرات، وذهب عشرات الآلاف على الطريق المؤدي إلى الحدود العراقية ضحية جريمة إنسانية خطّط لها القائد الذي لا يزال هناك من يغفل عن التاريخ ويمنحه ألقاباً لا يستحقها.

طباعة Email