العاطفة لا تصنع أبطالاً

بعد أن رفض نداءات العقلاء في السر والعلن، وأصر على عدم الخروج من الكويت طوعاً، وشاهد بأم عينيه صور القوات العربية والدولية تتقاطر على المملكة العربية السعودية، ووجه إليه الإنذار الأخير «إما الانسحاب الكامل وإما الطرد عبر حرب تحرير ابتداء من 15 يناير 1991»، أقول لكم، بعد كل ذلك تيقن صدام حسين من أن النهاية قريبة، فاستخدم آخر الأوراق، هدد دول الخليج بالصواريخ ومعها إسرائيل، في خلط عجيب استهدف كسب «رعاع» بعض الدول، وأضاف للصواريخ رؤوساً كيمياوية وبيولوجية لإحداث حالة رعب.

وتوتر الجميع، فكل شيء متوقع من هذا الشخص الذي اختلطت عليه الاتجاهات وتضاربت التصرفات، وبدأ الناس يبحثون عن وسائل حماية، وكانت الاحتياجات المنزلية أولها، فكدست المواد الغذائية وصناديق المياه والشموع، وتمت تغطية الأبواب والنوافذ بألواح خشبية أو أشرطة لاصقة مع أغطية بلاستيكية لتمنع تسرب الغازات، وبالفعل نفذ صدام تهديداته، وأرسل صواريخه نحو المدن والعواصم الخليجية، ولولا حكمة قادتنا واستعدادهم لمثل هذا الاحتمال غير المستبعد من مجرم حرب لكانت العواقب وخيمة، وسقطت أغلب الصواريخ في البحر أو تفتت في السماء فوق الصحاري، وما نفذ منها كانت آثاره طفيفة، ولم يصل إلى حقول النفط التي أراد تدميرها، وفشلت مخططات بعض التنظيمات المؤيدة له للتفجير من الداخل، ووقع أفرادها في قبضة الأجهزة الأمنية.

يومها كثير من المدن الخليجية عرفت صفارات الإنذار أول مرة، والفاعل كان هذا الشخص الذي يريدنا البعض أن ننسى أفعاله الإجرامية، ونعده بطلاً ورمزاً للشجاعة؛ لأنه حاجج القاضي الذي كان يحاكمه، ولأنه وقف بشموخ كما يقولون أمام حبل المشنقة، ونحن لا نشمت بأحد، ولا نتشفى بأحد، ولكنها كلمة حق، نقولها ونحن نشهد على التاريخ، ولا نقبل بأن يزوَّر وتعكس الحقيقة، لأن ابنة من حطم آمال أمة أرادت أن تبيض صفحته، وظن البعض أن ظهورها سيكون «سبقاً صحفياً»، وهم يعلمون بأن شهادتها مجروحة لأنها خاضعة لتأثيرات عاطفية، والعاطفة لا تصنع أبطالاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات