المتصيدون

لا ننكر أن «كورونا» استحوذت على جل اهتماماتنا طوال عام كامل تقريباً، وهي تستحق، لأنها مرتبطة بحياة الناس، وأي تهاون معها سينعكس على وضعنا العام، فهذا الوباء لم يقتصر تأثيره على جسم الإنسان والأعراض التي يمكن أن تصيبه إذا تمكن منه، إنه «فيروس» يضرب كل مفاصل الدول، من اقتصاد إلى إنتاج إلى علاقات اجتماعية، وصولاً إلى الدراسة والأداء الوظيفي.

ولا ينكر أحد أن كل الموازين والمقاييس اختلت منذ ظهور ذلك الوباء الساري بين الناس بسرعة عجيبة، فالمصالح عطلت، والمصانع توقفت، والتجارة عرقلتها قرارات الحجر وتقييد الحركة، وعاشت البشرية وسط أجواء لم تعتدها، وخاصة أغلب هذا الجيل، لأنها، أي البشرية، لم تعرف الجوائح منذ وقت طويل، ويتذكر «جيل الكبار» الكوليرا نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، أما من تبلغ أعمارهم الخمسين أو أقل فلا يتذكرون شيئاً، وهؤلاء هم اليوم من وجدوا أنفسهم مطالبين بمواجهة كورونا.

ولا ينكر أحد أن «كورونا» كارثة، ولكنها ليست مثل كل الكوارث، ليست عاصفة أو إعصاراً، وليست زلزالاً، فتلك الكوارث محدودة التأثير حتى لو قتلت الآلاف، ومحدودة الزمان أيضاً، قد لا يطول عمرها أكثر من يوم أو يومين، وتداعياتها تتدارك في فترة زمنية لا تتجاوز بضعة أسابيع، أما هذه الكارثة فهي دولية، شملت كل العالم، ولم تترك شبراً من الأرض لم تمر عليه وتحصد بعضاً من سكانه، ولم يسلم منها حتى أكثر الناس حيطة وحذراً.

ولا ينكر أحد أن هناك من يصطادون في الماء العكر، يبحثون عن مكاسب حتى ولو كانت على حساب البشرية، تتلبسهم الأنانية وحب الذات، يلوون الحقائق ويطلقون الأكاذيب، ويسخّرون آلاتهم الإعلامية الموجهة لإدارة حملات منسقة، غيرةً أو حسداً أو طمعاً، أو خبثاً تطبعوا به، حتى ولو كانوا كباراً، فهؤلاء وفي ظل أزمة كورونا أثبتوا أنهم يتصرفون كالصغار، وها هم أمامنا يتصارعون على اللقاحات التي لم تصل إليهم بعد، وأصبحت بريطانيا العظمى وأوروبا الموحدة محل سخرية العالم، وشعوبهم ما زالت تنتظر اللقاحات.

إنهم ضحايا الإنكار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات