أيُّ سدٍّ وأيُّ خيرٍ؟

يحاول مؤيّدو أردوغان أن يشيعوا بيننا روايات خيالية حول أسباب تدهور الاقتصاد التركي، إنهم يعودون بنا إلى ما قبل 2011، فهم في الغالب من أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين، وقد اعتادوا على رفع شعارات المظلومية، بصفتهم يمثلون الإسلام، لهذا هم مستهدفون، وحيث إن الرئيس التركي هو الخليفة المرتقب، فإن إسقاطه هدف الآخرين.

أداروا حملة منظمة، وخرج دعاة في كثير من الدول ينادون الناس للوقوف مع أردوغان، وطالبوهم بشراء الليرة، حتى لو استمرت في الهبوط، وعدم بيع أملاكهم في المنتجعات التركية، بل شراء شقق ومساكن جديدة، حتى يوفّروا العملات الصعبة، وبعضهم، خاصة في البلاد التي ما زالت تسمح للإخوان باعتلاء المنابر، خطبوا في صلاة الجمعة واستجدوا المصلين، وقد سمعت تسجيلاً لأحدهم، وكان يحاول أن يبث الرعب في نفوس المسلمين، وللأسف، كان من دولة خليجية، ووصل به الأمر أن يربط سقوط أردوغان وضعف تركيا بنهاية الأمة الإسلامية.

وبعد أيام، تحدث أردوغان نفسه، وقال ما قاله ذلك الإخواني، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك مصدراً واحداً لكل من يتبعون ذلك التنظيم، وأن من يسمون أنفسهم دعاة أو نشطاء مواقع تواصل، يرددون ما يأتيهم من «المحفل السري» مثل الببغاوات، قال الرئيس التركي في احتفال بولاية «بتليس» يوم 26 أغسطس الماضي: «بلاد الأناضول هي سد منيع، إذا انهار فلن يبقى أثر للشرق الأوسط وأفريقيا، ولا آسيا الوسطى ولا البلقان ولا القوقاز».

فهل هذا صحيح؟

أقصد، هل بيننا عاقل يصدق هذا الكلام ويكذّب التاريخ؟

فنحن نقرأ ونكتب، نحن في سنة 2018، ولسنا في سنة 1918، تلك السنة التي تفتتت فيها الدولة العثمانية، وتخلصت كل الدول في الشرق الأوسط من نير الظلم والتخلف، وبرزت دول البلقان والقوقاز وشمال أفريقيا، وفُتحت المدارس التي حُرمت منها كل تلك المناطق بأمر «الباشوات» ولاة السلطان التركي، وتأسست الجامعات، ولم يمنع المستعمر الأجنبي -رغم قساوته- عن البلاد التي كانت تتبع «الدولة العلية»، والتي ما كان يدخل عاصمتها إلا «أبناء النخب» ليتعلموا، وبدون تركيا، تحررت كل البلاد من الاستعمار، وبدون تركيا، خاضت كل المناطق التي تحدث عنها أردوغان حروباً، ولم تقف تركيا معها، بل إن تركيا تآمرت على الشرق الأوسط، واعترفت بإسرائيل، وتحالفت مع الآخرين لوأد المد العربي، ولم يظهر الاهتمام التركي بهذه المنطقة تحديداً، وأقصد العربية، إلا منذ 15 عاماً فقط، ومن نتائجه ما يحدث في سوريا وليبيا والعراق، وما تفعله قطر مع جيرانها، وما عانت منه مصر وتونس واليمن في السنوات السبع الماضية.

فأيُّ سدٍّ حمانا، وأيُّ خيرٍ جاءنا من تركيا؟

تعليقات

تعليقات