عندما يعود هذا الجمع الكبير من قادة الحكومات في العالم إلى بلدانهم، بعد أن حضروا القمة العالمية على مدى ثلاثة أيام، واستمعوا إلى المتحاورين والمتحدثين وأصحاب الأفكار والإبداعات، وشاهدوا الفعاليات المصاحبة، ستكون بين أيديهم مشاهد لا تنسى وتجارب لا تقارن، خاصة للذين استغلوا فرصة تواجدهم في دبي والتقوا بسكانها وتجولوا بين معالمها، وأمسكوا بمفاتيح الحضارة التي تحدث عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

الأموال تدور في أيدي كل قادة العالم، فهم يحكمون دولاً لديها ثروات، والأمنيات أيضاً موجودة لدى القادة، فكل دولة تريد أن تعيش هادئة مستقرة وشعبها راضٍ عنها، وكل من يزورها يشهد لها، حتى تتوافق إرادة الحكومة مع إرادة الشعب، ولكن المال لا يجلب السعادة، والنوايا لا تحقق حضارة، فهناك إدارة تسهر وتتابع وتحاسب وتسائل وتكافئ وتعاقب، إدارة تعرف كيف تحول الفكرة إلى حقيقة واقعة، تجمع الإرادة والمال والخبرات والأفكار والتطلعات والأهداف مع بعضها البعض لتبني مجتمعاً متطوراً قادراً على مواكبة العصر.

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قدم تلك الوصفة في كلمته خلال القمة، وهو العارف بما يقول، المطلع على خفايا البناء من العدم، والانطلاق من نقطة الصفر، فقد تُبنى حضارات على مدى قرون من الزمان، وقد تُبنى حضارات أخرى في بضع سنوات، هناك قائد يكتفي بإنجاز واحد في حياته، وهناك قائد يحقق كل يوم إنجازاً ولا يكتفي، ذاك يريد شيئاً يحفظ اسمه، وهذا يريد وطناً يحمل اسمه، والفرق كبير، كبير جداً، بين رجل يبني وطناً، وآخر يبني ذكرى !!

الدول لا تعرف اليأس والإحباط ما دامت الدماء تتجدد فيها والأجيال تتعاقب على إدارتها، تبقى الدول شابة، ليس هناك دول عجوزة، ولا قارات قديمة وحضارات بالية، الفقراء الذين كانوا يتصدرون تقارير الأمم المتحدة قبل 30 عاماً أصبحوا ينافسون على المراكز الأولى في النمو الاقتصادي، فقط أولئك الذين يعيشون في الماضي هم الجامدون، أولئك الذين قبلوا بأن تكون بلادهم مترهلة يضرب الفساد كل مفاصلها، فتعجز عن السير إلى الأمام، فهي قد ابتليت بقيادة فاشلة في الإدارة، وما زالت تعيش على أوهام أزمنة لا تعود، فتظلم نفسها وتظلم شعوبها.