ترامب البيت الأبيض يختلف عن ترامب الحملات الانتخابية، هذا ما قلناه عندما انطلقت الوعود والأحلام والأمنيات لكسب التأييد عبر بث رسائل عاطفية، قد تكون رغبات أكيدة ولكن الرغبات في كثير من الأحيان يفضل أن تكون دفينة في الصدور تجنباً للكوارث.
الرئيس في البيت الأبيض تحيط به «لاءات» كثيرة، التقارير «تفرمل» اندفاعه، والتوقعات تؤخر أفكاره، والسلبيات تعطل قراراته، وها نحن نرى فلاديمير بوتين لا يمكن أن يكون صديقاً لترامب أو شريكاً قبل أن يزيل الشوائب التي أساءت لعلاقاته مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربي، بهذا المعنى حول ترامب موقفه من بوتين، وكذلك الموقف من حلف «الناتو» الذي وصف قبل الرئاسة بأنه أصبح من مخلفات زمن قد ولى، ولكنه الآن ليس كذلك، بل هو مهم جداً للدفاع عن الحلفاء، ويجب أن يقوى!
كنت قد قلت لكم قبل أن «يلج عتبة البيت الأبيض» إن ترامب لن يثير العالم كله ضده بقرار غير مدروس العواقب والسلبيات، ولن ينقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، والذي حدث أن نتنياهو انتظر القرار في اليوم التالي لتسلم الرئيس سلطاته، وكانت المكالمة الهاتفية المعلنة في ذلك اليوم كما رددت وسائل الإعلام المتعاطفة مع إسرائيل هي لحظة الحسم، وتمت المكالمة، ولم تتضمن حسب البيانات أكثر من «التحيات» والمباركات والاطمئنان على الصحة.
وبعد أيام، ومنعاً للحرج أو تجنباً لحملة إعلامية تتهم الرئيس بالتراجع، وإسرائيل تملك من الوسائل ما يهز الكراسي في الولايات المتحدة كلها وليس في البيت الأبيض فقط، يومها خرج المتحد ث الرسمي ليقول إن الوعد قائم، ولكن القرار ما زال في مراحله الأولى.
ويوم الأول من أمس كان ترامب واضحاً في مسألة نقل السفارة، وليس صدفة أن يكون تصريحه متزامناً مع قول آخر حول الاستيطان، فقد انتقد الرئيس قرارات إسرائيل الاستيطانية في الأراضي القليلة المتبقية، وحاول أن يجعل كلامه خالياً من الإدانة «لأن إسرائيل مكتفية من الإدانات طوال تاريخها» ورغم أنه «غازل» نتنياهو كثيراً، ولكنه في النهاية دان الاستيطان دون إدانة، أما القدس فقد قال إنه «يدرس قرار نقل السفارة إليها لأنه ليس سهلاً»، وهو كذلك بالفعل، ليس سهلاً أن تكون القدس توقيعاً على ورقة.
ترامب يصحح المسار والأفكار لأنه سيد البيت الأبيض، أما وعود المرشح فإنه يحتفظ بها لنفسه.