كيف لا نصاب بالذهول ونحن نرى تقلبات السياسة الأميركية، طاولات تقلب، وبوصلات تتغير مؤشراتها، وكأننا نتعامل مع رمال متحركة وليس مع الدولة الكبرى التي قيل ذات يوم إنها رمز الحريات والمصداقية في العالم.

كل السلطات في الولايات المتحدة تسير على خط واحد، لا صدام بينها، ولا اختلاف، ولا تنافر، وما يحدث اليوم ليس أكثر من توزيع أدوار، فمشروع قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» لم يخرج فجأة، ولم يكن نتيجة تفكير متعمق لبعض النواب، جمهوريين أم ديمقراطيين، يحبون «أوباما» أم يكرهونه، مستقلين أم متأثرين باللوبيات، كل ذلك كلام فارغ، فالسياسة الأميركية لها صناعها، ولها مخططوها ومسيروها، ولها أساليبها، وهذا الذي نراه أسلوباً تنفرد به إدارة شؤون العالم في واشنطن!

قبل شهرين كانت المسألة شبيهة بنكتة ساذجة، وأقصى ما اعتقدناه عندما طرحت فكرة محاسبة المملكة العربية السعودية على أحداث 11 سبتمبر أنها حلقة جديدة من حلقات الابتزاز، ولكن يبدو أن الأهداف أكبر، وقد تذهب بنا إلى متاهة خطرة جداً، فالولايات المتحدة تريد شيئاً غير التعويضات، خاصة بعد التقارب واقتسام النفوذ بينها وبين روسيا، وتعاونها اللامحدود مع إيران، وعدم اعتراضها على تجاوزاتها العلنية في المنطقة العربية.

هذا هو الشعور السائد في العالم العربي والإسلامي هذه الأيام، ولهذا كثرت التساؤلات حول مغزى إثارة وإقرار القانون المفصل للسعودية تحديداً، رغم الشراكة القائمة بين السعودية ودول الخليج من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى لمحاربة الإرهاب، وكذلك الشراكة في التحالفات العسكرية لمواجهة ذلك الخطر الكبير المتمثل في الجماعات المتطرفة، تساءل الناس وسيتساءلون، عن الأهداف الكامنة وراء التلاعب الأميركي بأوراق الضغط، وهم لا يصدقون أن الكونغرس له رأي مخالف عن إدارة البيت الأبيض، ولكنهم يصدقون أن هذه الحفرة إذا لم تردم سريعاً فإنها ستتسع وتزداد عمقاً!