هذا زمان يتفاخر فيه من يبني وطنه، وذلك الذي يحافظ على ترابط نسيج مجتمعه، ويغرس روح العطاء بين الأفراد.

اختلفت المعايير، معايير الحضارة، فنحن لسنا في زمن ابن الملوح وامرئ القيس، ولسنا في عهد حمورابي ورمسيس، ولن نعود إلى حقب المماليك والانكشارية، العودة إلى الوراء ليست إلا هروباً، من واقع مرير، واقع العجز عن اللحاق بالركب، واقع التخلف والانحدار الأخلاقي، واقع الفصل بين ساكني المناطق الجديدة الراقية وغيرها، واقع احترام فئة من الناس وتهميش فئات، واقع المدن الصاخبة ليلاً، والميتة نهاراً، التي تستهلك ولا تنتج، وتعيش على السمسرة وتداول المغيبات، واقع الفشل الإداري والاقتصادي والسياسي، واقع الخير المتطاير في الهواء، والهبوط إلى تحت خط الفقر، واقع الأمية المستشرية في بلاد العلم والعلماء والتاريخ والحضارات!!

هل عميت أعين الجاهلين؟

ألا ينظرون فيعتبرون؟

هذه بلادنا، أرضنا، التي تغنينا بها كثيراً، منذ «بلاد العرب أوطاني» وحتى «وطني حبيبي.. وطني الأكبر»، إن «الضواري» المسعورة تنهش في حواضرها، من بغداد إلى دمشق إلى صنعاء إلى طرابلس، وحلب تصرخ ولا مغيث لها، وعشرات المدن التي كانت يوماً منارات تضيء سماء الأمة، أضاعها المتغطرسون، تركوها لقمة سائغة، عندما عادوا شعوبهم وميزوا بين طوائفها ومذاهبها وأفرادها، فتدلت كروش البعض، ومد البعض الآخر يده متسولاً من أجل رغيف خبز.

هذا واقع البلاد التي استمرت في العيش تحت سلطة من لا يزالون يحكمون ضمن معايير بالية، أما الذين تطوروا مع تطور الزمان، وجعلوا من المساواة معياراً حاكماً في إدارة شؤون البلاد، وعاملوا الجميع بحسب عطائهم وحبهم وإخلاصهم للوطن، وجعلوا الاستقرار هدفاً، والأمن غاية، هؤلاء يشاد بهم لأنهم يعيشون حاضراً يدعو إلى الفخر، أما الماضي فإنهم يعتزون به ولكنهم لا يتكلون عليه!!