تغيرت المفاهيم بعد غزة

أحداث غزة غيرت مفاهيم كثيرة، خاصة لدى أولئك الذين كانوا يعتبرون «إسرائيل» شيئاً مقدساً، لا يمس، ولا يحاسب، ولا يسأل، ولا تراجع قراراته، ونخص بالذكر هنا دول الغرب مجتمعة، وعلى رأسها بريطانيا، ومن يسير على خطاها.

خلال عقود طويلة وضعت «لوبيات» تابعة غشاوة على عيون تلك البلاد، وجعلتها داعمة ومؤيدة مهما فعلت، وعاقبت مواطنيها لو «تأففوا» من فعل أو استنكروا حدثاً لافتاً أهينت فيه الإنسانية، وشرعت قوانين تحظر الحديث عن الانتهاكات لحقوق أبناء فلسطين، من يحاصرون وتفرض عليهم أحكام الطوارئ الأبدية وهم تحت الاحتلال، قالوا إنهم «ساميون» وأي إشارة سلبية لإسرائيل تعني «معاداة للسامية»، رغم أن الذين يقتلون أيضاً ساميون أو تربطهم أواصر قربى، وكم من الناس المحتجين في مناسبات عديدة اعتقلوا وسجنوا، وكم من المشاهير حطموا، وتمت مقاطعتهم في أواخر عمرهم، فقط لأنهم احتجوا على أفعال تعدت الإهانة حتى وصلت إلى الإبادة الجماعية.

ولأول مرة في التاريخ الحديث شاهدنا وزراء في حكومة دولة من دول العالم ينادون بالقتل أمام «كاميرات التلفزيون»، دون خوف أو تردد أو مداراة، حتى وصلوا إلى مرحلة غير مسبوقة من الوقاحة والاستهتار، بن غفير اليميني المتطرف الممسك بالخيط الرفيع، الذي يمنح نتانياهو الحياة السياسية، ومعه سموتريتش، الذي ينافسه في عنصريته وتطاوله على مشاعر من يتابعون ما يحدث، إنهما نموذج حي للتحريض على القتل دون تفرقة بين المسلح والمدني الأعزل، وبين الأطفال والنساء والمرضى وساكني الخيام في معسكرات اللجوء ومن يقاتلونهم، تصريحاتهم يشهد عليها العالم، ونتائج أفعالهم استفزت العالم، من قبل السابع من أكتوبر 23 كانوا يطلقون المستوطنين القادمين من الخارج على القرى والمزارع في الضفة الغربية ليحرقوها، ونتانياهو يبني لهم مستوطنات مكانها بعد تشريد أهلها، ويقتحمون المسجد الأقصى، وينادون بهدمه، والكل كان صامتاً حتى «فاض الكيل»، ورفعت الأيدي في وجوههم بعد أن فشلت المناشدات الدبلوماسية، وها هي بريطانيا وكندا والنرويج ونيوزيلندا وأستراليا تقول في بيان مشترك «إن المفاهيم قد تغيرت»، وما عادت الحقيقة قابلة للتغطية.