مسافر بلا عودة

هذه المرة لا يطول السفر فحسب، بل هو سفر بلا عودة!

كان كلما سافر أحد من الأحبة لا نودع، لأن الأمل في اللقاء يأتي من جديد.

هذه المرة، سفر طويل، بطول الحياة كلها، فلا أمل في لقاء جديد، إلا في حياة أخرى، تكون فيها الأرض غير الأرض والسماوات.

سفر بلا حقيبة، لا زاد ولا زواد، لا ربطة عنق، لا زجاجة عطر، لا ملف أوراق لا قلم، لا مصلى، لا شيء من مباهج الدنيا، لا شيء!

سفر إلى مكان مظلم موحش مقبض، لا براح فيه، لا تسمع فيه من البشر، إلا وقع الأقدام عند الرحيل، ولا تنيره إلا رحمة الله.

هذا هو الوعد الحق.

هذه هي الحقيقة الوحيدة، التي لا تخطئها العين، ولا يخطئها بشر!

هذه هي «الكأس الدوارة»، التي لا تعرف الاستثناء، لا تعرف الانتقاء، ولا تفهم معنى الواسطة!

هذا هو الموت، السفر الأبدي، الذي غيب علاء إسماعيل وسيغيبنا.

سبقنا في كل شيء حتى في الموت!

جئنا معاً إلى الإمارات في العام 80، كان أحد المؤسسين هنا في «البيان»، ولم يكن فقط أول العائدين إلى مصر في العام 2000، بل كان أيضاً أول العائدين إلى ربه.

عِشرة حلوة شعر بها أهل الإمارات، فقد كان صحافياً نجماً، وعندما ذهب إلى مصر كسر القاعدة، ظل نجماً رغم أن إعلام مصر لا يكترث كثيراً بالعائدين!

في يوم عودته، أقامت له الإمارات حفلاً لتكريمه، كان تاريخياً، لم يحدث لأحد من قبله، ولا أعتقد أنه سيحدث لأحد من بعده، لقد كان استشعاراً من أهل الدار هنا، للكلمة الصادقة والنقد النزيه، وكان اعترافاً بدور كبير أداه على أكمل وجه، بالهدوء نفسه، والرزانة نفسها، والنفس الصافية، والضحكة الحلوة، دونما صخب، وشجار، وزعيق، دونما تكالب أو انتماء أو احتماء، دونما شق للصدور والصفوف، أو ضربات وطعنات من الخلف!

أسلم وجهه لله، سبحانه وتعالى، بالمشهد نفسه، مرض الموت لم يشأ أن يطل كثيراً، رحيل هادئ ونقي كما الحياة، ذهاب إلى الأبدية، دونما ضجة أو صخب، ودونما عويل أو صويت!

كلمات أخيرة

هكذا هي الأحزان النبيلة، أهل الدار هنا، كانوا مثل أهل الدار هناك، لوعة على الفراق، وإيمان بقضاء الله وقدره، ودعاء لا ينقطع بالرحمة والغفران.

في الحياة، هناك من يعيشون ويرحلون دونما أن يذكرهم أحد، كانوا مثل «الدشت البشري» الذي لا يقدم ولا يؤخر!

في الإعلام أيضاً، هناك من يعيش في الأضواء فيحترق بها، شغلته المباهج وأسكرته الشهرة، غرته الدنيا، فانشغل بها وبمنطقها المزيف، انطفأ فجأة كما اشتعل فجأة، يرحل فترفضه الذاكرة، وهناك من يعيش بسيطاً، يكافح من أجل أن يترك بصمة، ومن أجل أن يتذكره الناس بالخير.

اللهم ارحم علاء إسماعيل، ارحم أرواحاً لا تعوض، ولا تولد مرة أخرى، اللهم اغفر لمن عشنا معهم أجمل السنين، وهزنا إليهم الحنين، اللهم اجمعنا بهم في جنتك يوم الدين، اللهم آمين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات