في الأصل كانت وفي المنتهى ستكون ...
خلق الله الكون بكلمة، وسينهيه بكلمة، رفع السماوات بكلمة، وبسط الأرض بكلمة، خلق آدم بكلمة، وأودعه الأرض خليفة بكلمة، يبعثك بكلمة، وتذهب يميناً أو يساراً بكلمة، يرينا وجهه الحق يوم الوعد بكلمة، فسبحان الذي يقول للشيء كن فيكون.
هكذا كانت مكانة الكلمة وتأثيرها مع الخالق سبحانه وتعالى، أما مع الخلق، فأبان تأثيرها قديماً الفيلسوف سقراط، عندما تحدث كل حوارييه ذات يوم في أحد الدروس إلا واحد، فقال له: تحدث حتى أعرفك!
وفي يوم الفيفا تحدثوا كلهم، المرشحون الخمسة، تحدثوا أمام 207 دول قبل التصويت بدقائق، كان المشهد الأخير، وكانت المحاولة الأخيرة للتأثير على الصوت، بالكلمة!
وعندما جاء دور السويسري جياني إنفانتينو، كان مختلفاً، كان أكثرهم تأثيراً وإقناعاً، كان أكثرهم قدرة على استخدام تأثير الكلمة، تحدث بخمس لغات، ليس من باب الاستعراض، بل من باب مخاطبة كل فئة من العالم بلغتها، كما أنه ذهب مباشرة للحلول، ولم يتاجر بالمشاكل والمصائب.
وضرب ضربته القاضية عندما استخدم لغة المال وسحر المال، في زمن قوة المال وسطوته، وعد بتقديم 5 ملايين دولار لكل اتحاد قاري، وأكد أنه سيفي بوعده، لأن كل مليارات الفيفا لا بد أن تذهب إلى كرة القدم في كل مكان بالدنيا.
وأخذ الرجل الذي يعمل محامياً لأبوين من إيطاليا، وبجنسية سويسرية، والأب لأربع بنات من أم لبنانية، يتحدث عن القيم الأخلاقية بصدق وبتجربته بصفته أميناً عاماً للاتحاد الأوربي، الذي كان يقود فيه أربعمائة موظف، مؤكداً أن كرة القدم، وشعارها العدل والمساواة والحرية، لا بد أن تعود للفيفا، وأن يعود الفيفا لكرة القدم.
أكاد أجزم أن كلماته كانت الأكثر تأثيراً، وبالتأكيد، هناك من غيّر اتجاهاته، إن لم يكن في المرحلة الأولى المتفق عليها، ففي المرحلة الثانية الحاسمة، التي يحكم فيها الشخص ضميره هو، حتى لو خالف ميثاق بلده!
كلمات أخيرة
قدم إنفانتينو نفسه للعالم بشكل رائع وأسكت كل الأصوات التي قالت «من هو»؟! هو ابن أوروبا، الكتلة المتوحدة المتقدمة، موطن كرة القدم، التي تصدّر المتعة لعشاق اللعبة، وتصدّر التطور واللوائح ومفاهيم الاحتراف الحقيقية، إلى جانب النجوم والمدربين، وإلى كل الدنيا!
ماذا قدمنا نحن لكي نفوز، قدمنا مرشحين لا واحداً، في كتلة متنازعة متضاربة مفككة، ذهبنا متخاصمين، وعدنا متنافرين!
هم أذكى منا في هذه اللعبة، أكثر خبرة وخبثاً وتنظيماً وفكراً، فلقد استغلوا الصراع، فضربوا في الوقت الحاسم!
في الجولة الثانية الحاسمة اتحد كل الفرقاء، فأصوات أميركا والكونكاكاف والأوقيانوس إلى أوروبا إلى إنفانتينو!
في المطلق لا مجال للعرب، على المحك، لا مجال للعرب، حتى لو كنا أفضل، حتى لو حدثت المعجزة واتفقنا، فهذا المقعد ولعشرات السنين ليس للعرب يا عزيزي!
كنت أحد القارئين للمشهد من البداية مثل الكثيرين غيري، كنت أعرف مغزى نزول الأمير من البداية واتعاطف مع ناحية المبدأ، وكنت على ثقة من عدم انسحابه في المرحلة الثانية الحاسمة رغم الـ27 صوتاً! كان التكتيك واضحاً ومفهوماً، لدرجة أنني لم أتفاجأ بالأربعة أصوات، ولم أتفاجأ بصفر الفرنسي شامبين، الذي كان ترشحه تكتيكياً من الأساس، على طريقة «أرنب السباق» كما يقولون في سباقات ألعاب القوى، وكان طبيعياً أن يذهب صوته لمنافسه السويسري وقت الجد!
هل ألوم الأمير، وهل يلام من اكتوى! هل يلام من يأخذ حقه!
قبل الانتخابات بأسبوع كتبت عن «العربي المستحيل» ولاموني! لكنني سأظل على رأيي لسنوات، فهذا المقعد ليس لنا، لشيء فيهم، ولأشياء فينا!