لم يكن الـ70 ألف مشارك في ماراثون زايد الخيري الذين تزينت بهم شوارع القاهرة يفعلون ذلك من أجل مرضى الكبد، برغم نبل الهدف، بقدر ما كانوا يشاركون من أجل اسم الشيخ زايد، رحمه الله وطيب ثراه، وصدّق أو لا تصدّق، أنه لا يوجد مصري على أرض الكنانة لا يعرف من هو الشيخ زايد، بدءاً من العاصمة العملاقة، انتهاء بنجوع مصر الممتدة من شمال الوادي إلى جنوبه، نعم شارك الـ70 ألفاً بأجسادهم، لكن الـ90 مليون مصري شاركوا بقلوبهم .

من أجل ذلك كنت أقول دائماً للمنظمين عندما فكروا في إقامة ماراثون زايد بالقاهرة إنها فكرة عملاقة، وكنت أنطلق في هذا الرأي من خلفية حب المصريين لزايد، مراهناً على أن الآلاف سوف تزحف للمشاركة دونما دعوة، ومهما كان ثمن المشاركة الذي ربما يكون مرهقاً للإنسان البسيط، فإن لسان حال المشارك الفقير: «كله يهون من أجل زايد».

فالرجل الحكيم أحب المصريين بصدق، فأحبوه هم أيضاً بالصدق نفسه، وبصرف النظر عن أياديه البيضاء التي طالت الكثير من ربوع مصر، فقد أحبوه لما هو أهم، لشخصه النبيل الوفي، ولشخصيته العروبية المتدفقة القادمة من الزمن الجميل التي تفوح منها رائحة الزعيم العروبي التاريخي عبد الناصر.

عندما ذهبت إلى نيويورك لحضور هذا الحدث الكبير هناك الذي أصبح واحداً من تقاليد هذه المدينة العالمية، أدركت أسباب تزاحم «الأمريكان» في ماراثون يزكي هدفاً إنسانياً نبيلاً، ويسهم في رفع المعاناة عن مرضى الكبد، لكني عندما شاهدت ماراثون مصر الذي شهد أضعاف أضعاف ماراثون نيويورك، أدركت الفارق، ففي نيويورك، يشاركون من أجل إنجاح الهدف الإنساني الذي أقيم من أجله الحدث الكبير في المقام الأول.

وهو أمر محمود لا شك في ذلك، لكن المصريين شاركوا أولاً من أجل اسم زايد، وشاركوا ثانياً من أجل الهدف الإنساني النبيل. أهل مصر، مثلما كل أهالي العرب، يظل الجميل معلقاً في أعناقهم، ويفدون هذا الجميل بأرواحهم إذا تطلب الأمر.

ومما زاد الحب بسطة، هذا الذي حدث!

وما حدث، أصبح من ذلك النوع الأبدي الذي لا يمحى من الخاطر، ولا ينتزع من الوجدان مهما طالت الأزمان!

الإمارات تمد أيديها لمصر ليس في وقت شدة فحسب، بل في لحظة وجود، إما أن تكون فيها أو لا تكون!

سيظل المصريون مدينين لأشقائهم في الإمارات، مدينين للحظة فارقة بين الحق والباطل، كانت المساندة فيها بالقول والفعل، إلى جانب أشقاء من السعودية والكويت والبحرين والأردن.

نعم، من أجل زايد، ومن أجل أهل الإمارات جميعاً، حكومةً وشعباً، كان الماراثون ليس مجرد حدث رياضي، بل كان فرصة شعبية ورسمية تؤكد المقولتين، مقولة الإمارات: «سنقتسم العيش والملح»، ومقولة مصر: «مسافة السكة».

كلمات أخيرة

■أروع ما للإنسان عمله، مآثره، ذكراه، فاللهم ارحم زايد في الآخرة، كما تعيش ذكراه الطيبة في الدنيا.

■أروع ما في الأزمات الكبيرة المواقف، والإمارات، زادها الله من فضله، وفي كل اتجاه، أثبتت أنها بلد مواقف.