نعم، ارحموا عزيز قوم ذل.
نعم، الضرب في الميت حرام.
من كثرة توصيف ما جرى للبرازيل أصبحت من المشفقين عليها!
الألمان فريق بلا قلب، فريق لا يعرف الرحمة، سجلوا 4 أهداف في 6 دقائق، سجلوا 5 في الشوط الأول، ثم أضافوا السادس والسابع في الشوط الثاني، ورغم ذلك لم يرحموا فأضاعوا الثامن، وكان من الممكن أن يسجلوا التاسع والعاشر، لولا أنهم أرادوا ادخار جهدهم من أجل ما هو أهم!
ألمانيا أهانت البرازيل، أهانت تاريخها وجبروتها وسطوتها في كرة القدم بهذه النتيجة المذلة، وكانت تريد المزيد لولا مصلحتها، هل نلومها، أم نلوم من فعل في نفسه ذلك، أو أوصل نفسه لهذه الحالة المذلة المهينة!
الهزائم في كرة القدم واردة، لكن الإهانة ليست واردة، ألمانيا أهانت تاريخ البرازيل بالأمس، لذا كان رد الفعل صادماً ومرعباً وغير مصدق!
ما لفت انتباهي بعد كل ما حدث ليست دموع البرازيل الحارة الكاوية، وليست عناوين الصحف الشامتة التي فتحت القواميس لتأتي بأغلظ الكلمات الدالة على ما حصل أمثال: »العار، والذل، والفضيحة، والكارثة، والإهانة، والمهانة«، لكن لفتت انتباهي أشياء أكبر من ذلك، هي التماسك في الظاهر رغم الانهيار في الداخل، إنها ملكات استثنائية وثقافات ربما لا نعرفها بعد، أو لم تصادفنا بعد، أو لم نرتق إليها بعد، ما حدث بسيط في لحظته أو رؤيته، لكنه كبير وصعب في معناه!
المدرب سكولاري مثلاً عندما سألوه في المؤتمر الصحافي »من المسؤول؟«، قال على الفور »أنا«، قالوا »من المخطئ؟«، قال »أنا«، ولم يقلها من باب الترفع، بل راح يشرح لماذا هو المسؤول الأول، ولماذا هو المخطئ الأول! المدرب أيضاً، كان حريصاً على التماسك فور صافرة النهاية، راح يخفف قدر إمكانه عن اللاعبين.
الجماهير معظمها لم يبرح المكان، رغم الذل والهوان وتوالي الأهداف، صفقت للهدف الشرفي الوحيد الذي سجله أوسكار رغم أنه جاء بعد السبعة!
ما حدث للبرازيل، ربما يحدث مرة واحدة في التاريخ كله، فمأساة 1950 يوم أن خسروا المونديال باستاد الماراكانا أمام الأوروغواي بهدفين لهدف، في وجود ما يقرب من 200 ألف مشجع، اعتبروها بعد ما حدث أمام الألمان ذكرى سعيدة!
لم تتوقف الدنيا عند خسارة كوريا الجنوبية بالتسعة من المجر، ولم تتوقف عند خسارة السلفادور بالعشرة، ولم تتوقف عند خسارة زائير بالتسعة من يوغوسلافيا، لكنها بالطبع لابد أن تتوقف عند البرازيل سيدة العالم، وصاحبة الخماسية المونديالية القياسية وراقصة السامبا!
كلمات أخيرة
** بعيداً عن الذل والعار والمهانة والإهانة، أقول بكل صدق إن البرازيل قدمت أسوأ جيل في تاريخها، وأتجرأ وأقول إن هذه هي إمكاناتهم، لقد حاولوا ولم يقصر أحد من اللاعبين، ولم ينهاروا بل تماسكوا لكن للأسف هذه هي إمكاناتهم، والذي كشف هذه الإمكانات تلك الإمكانات الرائعة للألمان!
** تسألني البرازيل كانت أفضل حالاً قبل ألمانيا، وأقول لا تستهن بغياب نيمار، فقد قلت قبل المباراة إنه ليس مجرد لاعب لكي تستبدله بآخر، إنه شيء روحاني، يعطي لزملائه أشياء غير محسوسة، ويعطي للمنافس أشياء أيضاً غير محسوسة في الاتجاه المعاكس!
** نصف ما حدث على الأقل بسبب فقدان نيمار، والنصف الآخر بسبب جيل سيئ ومدرب أخذته العزة بالإثم!
** أخيراً، عشنا وشفنا البرازيل، وقارنا بينها وبين زائير والسلفادور وكوريا الجنوبية أيام التخلف.. آه يا زمن!!