مشهد ملحمي رائع ومتوقع ذلك الذي توج به أبطال الجزائر رحلتهم المونديالية إلى بلاد السامبا.. مشهد لائق ولافت في مطار هواري بومدين وشوارع العاصمة الجزائر، أثبت أن العطاء لابد وأن يقابله الوفاء.
استحق أبطال الجزائر هذا الاستقبال الشعبي الحار الذي لم يتأثر بالخسارة أمام الألمان، لأنها خسارة جاءت بعد عرض مشرف للكرتين العربية والإفريقية، كانوا فيه أنداداً للألمان بمعنى الكلمة بل كانوا في فترات كثيرة من هذا الماراثون الطويل هم الأفضل والأعلى كعباً.. ويكفي أن الصحف الألمانية الصادرة صباح اليوم التالي لم تعرف ماذا تكتب؟! هل تحتفل بالتأهل لدور الثمانية، أم ترثي حال ماكيناتها التي تعطلت على مدار 90 دقيقة أمام أداء جزائري راق.
عاد الجزائريون من المونديال بصحبة عدة أرقام قياسية تصلح لأن تكون خير بداية لعصر جديد وقوده مواهب شابة، الطريق أمامها مفتوح بإشارة خضراء، محطتها الأولى تبدأ عند الجار، في كأس الأمم الأفريقية المقبلة بالمغرب.. وكم كنت أتمنى أن تواصل طريقها مع مدربها الصارم خليلوزديتش الذي بات اليوم أكثر فهماً وإيماناً بالعناصر التي يملكها عن أي وقت مضى.. كما بات ينعم بتأييد من معظم الجزائريين، لم يحظ به من قبل، للدرجة التي جعلت البوصلة تتجه للهجوم على اتحاد الكرة الذي جهز بديله بالفعل.. فكان هجوماً ضارياً كاسحاً لم تغط عليه لحظات الاحتفال!
لو كنت مكان الحاج روراوة لأبقيت على خليلوزديتش، فما قبل البرازيل شيء، وما بعدها شيء آخر، حتى ولو كان ثمن البقاء إلغاء لتعاقد وقعه أو غرامة سيسددها.. ولو كنت مكان خليلوزديتش لحرصت أيضاً على الاستمرار، فالحب والتقدير اللذان اكتسبتهما لن أجدهما اليوم في أي مكان آخر غير الجزائر وقلوب أهلها ذات المشاعر الحارة..
هذا الخيار ليس وليد انفعال لحظة مشحونة بالعواطف، لكنه خيار منطقي وواقعي إذا أردنا للقصة أن تكتمل!
نعم، غادر الجزائريون المونديال برؤوس مرفوعة، بما تحمله الكلمة من معنى، وليس على طريقة كريستيانو رونالدو والموضة السائدة التي أصبح فيها كل مغادر يردد: «نعم غادرنا، ولكن برؤوس مرفوعة..»!
فأصبحت المسألة ضحكاً على العقول أكثر منها تقريراً للواقع، وأصبح فيها من الظلم الكثير أن نساوي بين منتخب أعطى وكسب الاحترام، وآخر أخفق وغادر لينام..!