بروح رياضية

ثقافة المطالعة

لم يمنح المونديال ضيوف البرازيل فرصة حضور المباريات ومتابعة نجوم الساحرة المستديرة عن قرب فحسب، وإنما جعلهم يكتشفون الجوانب الاجتماعية والثقافية للشعب البرازيلي.

فبعد 20 يوماً من وجودي في بلاد السامبا لفتت انتباهي ظاهرة المطالعة.

إذا ركبت المترو أو الباص أو جلست في مقهى تلاحظ أن أغلب الذين يحيطون بك منهمكون في القراءة.

فالشعب البرازيلي مهتم بالمطالعة وعلاقته حميمية مع الكتاب.

ظاهرة فاجأتني مثلما فاجأت بقية ضيوف المونديال، لأن الصورة الراسخة عن الشعب البرازيلي في أذهاننا منذ الصغر، أنه شعب مولع بكرة القدم فقط.

ولكن المونديال كشف للعالم الوجه الآخر لبلاد السامبا، وجه حضاري رائع لا نراه في الحقيقة إلا في أوروبا، حيث تعتبر ثقافة المطالعة تقليداً كلاسيكياً.

وتنتشر المكتبات بشكل كبير في شوارع البرازيل، حيث تعرض آلاف المؤلفات في اختصاصات متعددة منها الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً.

ففي المطارات كما في محطات المترو ترى مكتبات صغيرة تعرض كتباً بأسعار مرتفعة، لكن عاشق المعرفة لا يقدر العلم بالمال. يقتني الكتاب بما في جيبه إيماناً منه بفائدة المطالعة وجدواها على فكره وتكوينه ومستقبله.

والمكتبات ليست خاوية ومهجورة مثلما هو الحال في البلاد العربية، وإنما يتدافع فيها طلاب العلم والمعرفة كامل اليوم. يبحثون عن كتاب يشبعون به فكرهم وينيرون به عقولهم.. بينما نتزاحم نحن على محال الأكلات السريعة لنملأ بطوننا..!

وما لا يعرفه الكثيرون أن البرازيل دولة عملاقة قطعت خطوات كبيرة نحو الالتحاق بركب التقدم، فهي تصنع الطائرات والسيارات والأجهزة الإلكترونية الرقمية. وهذا يعكس طبيعة شعب يحب المطالعة ويطلب العلم من المهد إلى اللحد.

البرازيل باتت قوة اقتصادية بارزة في العالم فهي تمتلك عدداً مهولاً من المطارات والموانئ وتصدر المنتوجات الفلاحية والصناعية وخصوصاً النسيج كما تحقق أرقاماً قياسية في العائدات السياحية.

وكل هذه الإنجازات لم تتحقق مصادفة بل هي ثمرة ثقافة شعب لا نعرف عنه غير جنونه بكرة القدم. نعم هم يعشقون الساحرة المستديرة حتى الجنون لكن لم يهملوا الاهتمام بالعلم.

وتنظيم كأس العالم عاد بالنفع على البرازيل، ذلك أن الأرقام تشير إلى أنها ستكسب 15 مليار دولار!

ولن تكسب المال فحسب، بل استغلت المونديال لتطوير منشآتها الرياضية فبنت 12 ملعباً من أفضل الملاعب في العالم، على الرغم من التأخير في جاهزيتها للعرس الكروي. كما حسنت بنيتها التحتية ببناء مطارات جديدة وتمديد سكك المترو وتعبيد طرقات سريعة بين المدن وبنت الفنادق.

هذه مكاسب أولى من الحدث الرياضي الأول (المونديال) ولا تزال مشاريع أخرى عملاقة بصدد الإنجاز وقفنا عليها خلال واجودنا على أرض الواقع وذلك استعداداً لاحتضان الألعاب الأولمبية ريو 2016.

ومن معجزات البرازيل التي سيكتشفها العالم أنها هدمت مدينة كاملة متاخمة لريو دي جانيرو كانت تعرف بوكر للمجرمين وعصابات المخدرات، وأعادت بناءها من جديد على طابقين. فوق الأرض مبانٍ بلورية شاهقة وحدائق للمتنزهين. وتحت الأرض وفي الأنفاق طرق للحافلات والمترو تؤدي إلى ملاعب الأولمبياد.

بالعلم تتحقق المعجزات.. فمتى تستفيق أمة اقرأ التي لا تقرأ؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات