ثلاثة أهداف في 12 دقيقة، أمر وحده كفيل بأن يكشف معدن هذا الفريق، ويبرهن على أن الثقة التي كانت تملأ النفوس تجاهه قبل المونديال لم تكن من فراغ، ويبرر كذلك حال الغضب الذي سيطر على الجميع بعد الخسارة من بلجيكا.. فنحن أمام مجموعة واعدة قادرة على ان تعيد لأحد منتخبات الكرة العربية حيويته وشبابه..
فازت الجزائر على كوريا الجنوبية صاحبة الباع الكبير في بطولات كأس العالم برباعية، ومازلت أجد نفسي ناهماً للمزيد لم أشبع بعد..
والأمر الآخر الذي لا يخلو من دلالة هو أن النتيجة اقترنت بأداء راق رفيع، فكم من منتخبات فازت دون أن تقنع، وكم من فرق أقنعت ولم تفز.. لكن المنتخب الجزائري هذه المرة فاز وأقنع وكتب برباعيته رقماً عربياً جديداً في سجل بطولات كأس العالم الذي كان متواضعاً للغاية مقارنة بشعبية هذه اللعبة في بلادنا وما ننفقه عليها من جهد ومال..
انتصار 82 على ألمانيا صنع جيلا من الأساطير أمثال ماجر وبللومي وعصاد ومناد وغيرهم، وفوز الدفع الرباعي الذي حققه الجزائريون في البرازيل 2014 سيجعل من براهيمي وسليماني وجابو وحليش وفيجولي ورفاقهم الجيل الثاني المطور من هذه الأساطير، وإذا كان تواطؤ الألمان والنمساويين هو الذي وضع حداً لمسيرة الأوائل، فالحاليون مازال مصيرهم مرهوناً بأقدامهم.
مستوى المنافسين وأولهم الروس يدفعنا للاعتقاد أن للرواية فصولاً لم تكتب بعد..!
إذا كان الجزائريون دخلوا التاريخ من باب أول فريق عربي يسجل أربعة أهداف في مباراة واحدة بنهائيات كأس العالم، فقد دخلوه أيضاً من أبواب عدة، منها أن منتخبهم من بين قلائل سجلوا ثلاثة أهداف في 12 دقيقة فقط عبر تاريخ المونديال، ولا أظن أن كثيرين فعلوها من قبل، وهنا يأتي دور عشاق الإحصائيات في البحث عن الحيز الزمني الفاصل بين أي ثلاثية شهدها المونديال..!
الروح التي بدأ بها لاعبو الجزائر مباراتهم مع كوريا لم تجعلني أشك لحظة أن الشباك ستهتز لا محالة، لكنهم وللحق فاجأوني بالثاني بينما لم أفرغ بعد من الأول، ومن ورائه جاء الثالث.. حقاً كان شوط الأحلام.. شعرت فيه أن محاربي الجزائر نزلوا إلى الملعب لالتهام لاعبي كوريا لا للفوز عليهم، ولو كنت محل مدرب كوريا لأحصيت عدد لاعبي فريقي بين الشوطين..!
نعم لم يكن الكوريون بمستواهم المعهود الذي منحهم لقب «شمشون»، بل كانوا كتلاميذ في أحد فصول مدرسة ابتدائية، لكن هذا لا ينفي جدارة الجزائريين باكتساحهم مهارياً وتكتيكياً وبدنياً وتهديفياً..
عندما واجهنا خليلوزيتش باللوم بعد المباراة الأولى، كان لثقتنا بأنه في الإمكان أفضل مما كان، ولأن إمكانيات لاعبي المنتخب الجزائري لا تقل بأي حال عن لاعبي بلجيكا الذين تغنوا بهم كثيراً قبل البطولة، في حين لم يقدموا حتى الآن ما يشفع ويجعلهم جديرين بهذا الصيت، لا أمام الجزائر ولا أمام الروس.. ولا أفضل للتدليل على ما أقول أكثر من ان البلجيك ربما كانوا أول فريق بالمونديال دفعوا أنصارهم الى النوم في مدرجات الماراكانا، وهم الذين عبروا المحيط لمؤازرتهم..!
لعلك يا «خللو» استوعبت الدرس الآن، واكتشفت ما بين يديك من مواهب كروية قادرة على الذهاب بك وبنا في البطولة أبعد مما يتصور البعض..
لا أبالغ إذا قلت إنني لا أخشى على الجزائر أمام روسيا، حتى ولو قدمت نصف ما قدمته أمام الكوريين، بشرط أن نحسن توظيف عناصرنا، وإلا يكون التعادل هو خيارنا الأول، حتى وإن كان طريقاً مؤدياً إلى الدور الثاني، فإذا كانت إمكانياتك تؤهلك للفوز، فلا تتنازل عنه.. فتاريخ مونديال البرازيل لن يكتب سوى مرة واحدة..!
روح الانتماء والتفاني التي عليها لاعبو الجزائر تثير الإعجاب وتضرب المثل، وتنفي عنهم أيضاً أي كلام فارغ قيل عن كونهم من أبناء المهجر المترفين الذين لا يعرفون عن وطنهم الأم لا اللغة ولا العادات والتقاليد.. لقد أثبتوا من جديد أن الحمية والغيرة وحب الوطن عند الجزائريين هي مسألة جينات.. فلا يهم معها أين ولد هذا الجزائري صاحب الدم الحار.. في بليدة أم في بلاد الإسكيمو..!