«تحبه أو لا تحبه، هذا هو قاسم سلطان»..
جملة كثيراً ما قرأتها أو سمعتها كلما جاء ذكر اسم الرجل، أو كلما ظهر على ساحة الإعلام في مرة من مرات ظهوره النادرة.
والسبب المؤكد وراء ذلك هو آراؤه الصريحة دائماً والصادمة غالباً، فيختفي ويعود بالمواقف الواضحة نفسها التي تؤكد بدورها أن أفكار الرجل إما أنها لا تتبدل، أو أن حالنا هو الذي لا يتغير، لكنها كثيراً ما تستند إلى المنطق حتى وإن رماها البعض ممن لا يعجبهم كلامه بالتنظير والتعالي على واقع الرياضة الإماراتية.
حواره الذي أدلى به إلى «البيان» مطلع هذا الأسبوع، أعادنا مرة أخرى إلى الوقوف أمام المرآة لمواجهة أنفسنا، وقد ألهتنا الأيام بزخم تفاصيل أحداثها،
«عشرة مليارات درهم أنفقتها الأندية الإماراتية على كرة القدم في ست سنوات»، قنبلة لفها الرجل في جملة قصيرة، لا أدري ما مدى دقة الرقم، أو المصدر الذي استقاها منه، لأن يقيني أن المبالغ التي تنفقها الأندية حالياً بتنوع مصادرها تتم بصورة تجعل أكبر مكتب دولي للمحاسبة والتدقيق يقف عاجزاً عن تحديد الرقم بشكل دقيق.
نعم، أصبح لدينا شكل احتراف يتواءم مع المتطلبات والمعايير الدولية، لكن جوهره مازال غائباً.
نعم، كرة القدم في العالم أصبحت صناعة، لكنها ما زالت في عالمنا العربي، وفي منطقة الخليج على وجه التحديد لا هي صناعة ولا حتى تجارة!
أي مشروع اقتصادي يقوم على حسابات الربح والخسارة، فهل كرة القدم في الإمارات أو السعودية أو قطر تقوم على هذا الأساس؟!
ولأن الدولة هي التي ما زالت تسدد الفاتورة نيابة عن الأندية، فلا مانع من «الدلع» في الإنفاق الذي يصل أحياناً إلى حد الاستفزاز، فأي حسابات وأي ربح وخسارة يمكن أن تفكر فيها شركات الكرة التي أسِّست وانتشرت في أنديتنا، وقد بات دورها هو مجرد تسلُّم «الفلوس» في بداية الموسم وعلى مداره، ثم تقديم فواتير السداد في نهايته، والحساب هنا حساب بطولات وألقاب، وليس حساب مدققين ومحاسبين!
الشركات الحقيقية هي التي تعلن في نهاية الموسم أنها صرفت كذا وكسبت كذا، وهذا هو مكسبها أو خسارتها، فهل شركات أنديتنا تفعل ذلك؟!
هل خرجت علينا إدارة نادٍ في نهاية موسم وأعلنت بكل شفافية موقفها المالي؟! لا يفعل من الأندية ذلك إلا من عنده شكوى من ضيق ذات اليد، أو طامع في مكرمة أو دعم إضافي، فعن أي احتراف أو صناعة نتحدث؟!
بعد قاسم سلطان خرج أمس سامي القمزي هو الآخر مطالباً بوضع سقف لإنفاق الأندية بعد أن تجاوز الأمر كل الحدود، وقبلهما ومن بعدهما سيخرج آخرون، فمتى ستتم الاستجابة لدعوات وقف هذا الهدر لموارد الدولة؟!
كرة القدم هنا أصبحت بالفعل سلعة غير قابلة لتقدير سعرها السوقي الحقيقي، لا لاعبين ولا مدربين ولا حتى حقوقاً تلفزيونية.. فمزايدة بيع الحقوق يدخلها مشتر واحد، يعرض سعراً متفقاً عليه سلفاً، يمد يمينه للدولة للحصول على المال، ثم يعطيه بيسراه لاتحاد الكرة، ومن ثمّ ليس مهماً ماذا كسبت تلك القناة أو خسرت، فعلى من نضحك؟!
«فلوسي وأنا حر فيها»، هذا هو المبدأ الذي يحكم سوق كرة القدم لدينا، ومن ثم يكون من الطبيعي أن نرمي بسهولة ملايين عدة للاعب أحضرناه ولم يعجبنا بعد أول مباراتين أو حتى شوطين، أو لمدرب استقدمناه، ثم اكتشفنا أن دمه ثقيل، أو أن فكره غير فكرنا، وحتى قبل أن نجربه، في النهاية من يحاسب على هذه الملايين المهدرة، لا أحد!
اعتمادنا على الدولة التي أصبحت هي «بابا» وهي «ماما» تجاوز حقاً الحد، لا سيما أن مردود الابن هُو مزيد من «الدلع» الماسخ!
الدولة هيأت المناخ بالفعل لمن يريدون العمل والتطوير، فشيدت بنية تحتية للكرة الإماراتية من ملاعب ومرافق ورصدت الميزانيات، وأصبحت الأزمة الحقيقية تكمن في إدارة اللعبة ذاتها، وهنا لا أعني اتحاد الكرة أو لجنة الاحتراف فقط، بل أعني أيضاً إدارات الأندية التي ما زالت تحتمي في عباءة الشخصيات الكبيرة، تفعل ما يحلو لها دون حسيب أو رقيب!