أحياناً نكون قساة على أنفسنا أكثر من قسوة الغير علينا.. ودائماً ما نتطلع إلى الكمال، لكننا ننسى أحياناً أنه لله وحده..
الدوري الإماراتي قطع شوطاً كبيراً على طريق التطور والرقي.. تلك حقيقة لا يمكن تجاهلها أو الجدال بشأنها.. وعندما أقول ذلك أعي جيداً أن ذلك تم مواكباً لتطور إقليمي صاحب الكرة الخليجية بشكل عام، ومنظومة احتراف بدأت خطواتها ذاتية قبل أن يفرضها الاتحاد الآسيوي على دوله الأعضاء في العقد الأخير.. صحيح أن التطور مازال جارياً، والاحتراف مازال هيكلاً يستشرف خطاه نحو المضمون، لكن الفارق الآن بات شاسعاً بين ما كنا عليه وبين ما أصبحنا فيه اليوم.. يكفي أن نرصد الآن رأسمال اللعبة مادياً وفنياً لندرك أي شوط قطعت، وكيف صارت أندية الإمارات قبلة مدربين ولاعبين كبار يتمنون نزول ملاعبها.. وهذا لا ينفي أن المشوار مازال طويلاً لتعويض الفارق الكبير الفاصل بين كرتنا وكرة بلدان أخرى سبقتنا، فارق صنعته فوارق أخرى اجتماعية وثقافية واقتصادية.. فالمسألة أكبر بكثير من مجرد ملعب ولاعبين..!
ونحن نبدأ أيام عام جديد، نسمع عويلاً وضجيجاً حول التحكيم الذي يشكل عنصراً أساسياً من عناصر اللعبة.. الكل يشتكي ويتذمر، ولو أحصينا التصريحات الصادرة من مدربي وإداريي الأندية التي تؤكد تربص واضطهاد الحكام لهم، لاكتشفنا أن كل أندية الدوري مستهدفة ومضطهدة..!
نعم.. كثير من أخطاء التحكيم ومنذ ضربة بداية المسابقة فادحة، وأحياناً فاضحة.. لكنني أستبعد فيها التعمد وأترفع بالحكام عن تهمة التواطؤ أو التلاعب، لأن الشكوى التي نضج منها هنا، نسمعها أيضاً ونراها بوضوح بشكل يكاد يكون أسبوعياً في مباريات الليغا والبريمير ليغ والكالشيو.. فعلينا أن نهدأ قليلاً لنعالج أصل المشكلة التي لا يمكن حلها بين ليلة وضحاها..
فلا أتصور أن تغيير إداري لجنة الحكام مثلاً، أو تولي يوسف السركال شخصياً لملف التحكيم سيقضي على الأخطاء أو سيضمن منع وقوعها مستقبلاً، قد يكون ذلك مسكناً يخفف الضغط عن قضاة الملاعب، لكنه لن يكون حلاً شافياً..
إعداد نخبة من الحكام المتميزين يتطلب وقتاً وجهداً، يبدأ من اختيار عناصرهم.. وليس كل من يحفظ قانون كرة القدم يصلح لأن يكون حكماً.. فالفوارق الشخصية تكون في أحيان كثيرة لها الجانب الأكبر في صناعة نجومية الحكم وهيبته وتقبل الآخرين لقراراته.. ولا زلت أتذكر كيف كان علي بو جسيم يشهر كارته الأحمر مبتسماً واثقاً..
وربما لو خضع كثير من حكامنا اليوم لاختبارات الثقة بالنفس والقدرات الشخصية لرسبوا بصافراتهم وأياديهم المرتعشة وشفاههم المرتعدة..
الحملة الشعواء التي يتعرض لها الحكام اليوم لن تزيدهم إلا ارتباكاً ووقوعاً في المزيد من الأخطاء.. واللاعبون والمدربون والإداريون عليهم مسؤولية كبيرة في استعادة الحكام لثقتهم بأنفسهم إذا أردنا مسابقة عادلة ونزيهة.. ومطالبة اتحاد الكرة للجميع بالتوقف عن الذهاب إلى مراكز الشرطة أفضل بداية للعام الجديد، فلا يُعقل أن تنتهي المباراة ليخرج الحكم والإداري من الملعب الذي يحكمه قانون كرة القدم، ليقضيا ليلتهما في المخفر.. لكن في ذات الوقت على إدارة الاتحاد ولجانه أن تكون فاعلة وعادلة بما يكفي، حتى لا يواجه يوسف السركال ورجاله في المرة القادمة تهمة إزعاج السلطات..!