فتحت موقع الفيفا بحثاً عن آخر أخبار لقاء مصر وغانا، الذي كان سيجري بعد ساعتين.. وجدت في وجهي صورة برونو ، ميتسو.. وما إن قرأت نصف العنوان، حتى سارع أصبعي بالضغط على زر الخروج، من دون أن أكمل قراءة العنوان مردداً: "لا حول ولا قوة إلا بالله".. فقد أدركت أن المنية قد وافته.
أمضيت لحظات صمت طويلة، استرجعت فيها شريط مشاهد، التقيته فيها عبر أحد عشر عاماً، مشاهد بدأت في مونديال 2002، بكوريا واليابان، وآخرها كان في مقصورة نهائي كأس أمير قطر في مايو الماضي، وهو يقابل حفاوة محبيه بحرارة التحية وقد تمكن من المرض.
في مباراة الافتتاح الشهيرة باستاد كأس العالم في سيؤول، كنت جالساً في منصة الصحافيين، خلف مقاعد بدلاء منتخب السنغال مباشرة، عشت وقتها أحلى لحظات فخر أفريقية، وأنا أشاهد نصراً مدوياً لمنتخب قادم من العالم الثالث، يقوده مدرب ذو شعر ذهبي طويل، ينتف ريش الديك الفرنسي في عرض مثير. وعقب المباراة التقيته لأول مرة وجهاً لوجه في المنطقة المختلطة التي تجمع اللاعبين والمدربين بالصحافيين.. لا أنسى عينيه، وهما تلمعان من الفرحة، وهو الذي ألحق الهزيمة بنجوم منتخب بلاده حامل اللقب.
بعد أقل من شهرين، عرفت أن له بلداً آخر غير فرنسا هو السنغال.. قضيت معه يوماً طويلاً في العين، بصحبة الصديق العزيز حمد بن نخيرات العامري، وعلى مائدة الغداء تعرفت عن قرب إلى السيدة السنغالية التي فتنته منذ أن رآها، فقرر الزواج منها بعد اعتناقه الإسلام.
أتذكر أيضاً كم كنت قاسياً معه وأنا أحاوره، حول سبب قدومه إلى العين، وعن اعتناقه الإسلام، وهل عن قناعة أم من أجل عيون فاتنته؟! ما زلت أتذكر أيضاً العنوان الضخم، الذي سطرته لحواري معه على صفحتين بصحيفة "الاتحاد": "عن ماذا يبحث ميتسو في العين؟!"، كان عنواناً إيحائياً بأن الرجل جاء بحثاً عن المال، وهو الذي كان حينها حديث العالم ببلوغه دور الثمانية في كأس العالم مع السنغال، وكان سبباً مباشراً في إقصاء الفرنسيين من المونديال بخسارتهم المباراة الافتتاحية، ثم تعادل مع أوروغواي وخسارة من الدنمارك.
رد ميتسو المباشر على تساؤلي، جاء نهاية الموسم مع تتويج الزعيم الإماراتي بأول ألقاب دوري أبطال آسيا في نسخته الحالية، بعدها سطر نجاحاً تلو الآخر، متنقلاً ما بين الإمارات وقطر، أبرزها فوز الأبيض الإماراتي لأول مرة بكأس الخليج بأبوظبي في العام 2007.
قال لي إن اعتناقه الإسلام جاء عن قناعة، لكن تقمص الصحافي لدور المحقق جعلني غير مقتنع بذلك، خاصة أن زوجته قالت لي إنه فعل كل شيء ليتزوجني، حتى إنه اضطر حينها لتقصير شعره الطويل، وكان أحد شروط والدها الشيخ الصارم لإتمام الزواج.. بقيت على قناعتي حين سألته أي الاسمين تحب أن تنادى به، "برونو" أم عبد الكريم.. وكان رده: برونو.. فهو الاسم الذي يعرفني به الناس!
كان صريحاً معي في كل إجاباته ولم أكن أظنه كذلك، واليوم بعد أن أوري الثرى في مقابر المسلمين بالسنغال بناء على وصيته، لا أملك سوى الاعتذار المتأخر له، داعياً الله أن يتغمده برحمته الواسعة، فقد كان رجلاً رائعاً بمعنى الكلمة، كتب اسمه في سجل المدربين الكبار، وإنجازاته مع منتخبي السنغال والإمارات تكفيه، وكذلك اعتراف الشيخ حمد بن خليفة رئيس الاتحاد القطري بأن قرار إعفائه من تدريب المنتخب القطري كان "خطأ"، دفع المنتخب العنابي ثمنه لاحقاً.
رحمة الله عليك يا "عبد الكريم" أو يا "برونو" أو يا "ميتسو"، أياً من تكون، فالأسماء لا تهم، الأهم هو ما نتركه وراءنا، ونحن نغادر دنيانا إلى دار الحق.