عندما أعود بالذاكرة 23 عاماً إلى الوراء، وبالتحديد مارس 1990 في الكويت، حيث أول دورة حضرتها من كأس الخليج، أجد أبرز ملامحها غياب المنتخب السعودي احتجاجاً على شعار الدورة، وأتذكر لحظات بالغة التوتر توجه خلالها المنتخب العراقي إلى مطار الكويت بعد صدور قرار من بغداد بسحب فريقها من الدورة عقب تعادله مع الإمارات 2-2، لأن حكم المباراة احتسب ضربة جزاء للإمارات وطرد عدنان درجال.. والنجم الأول للدورة حينها كان الشيخ فهد الأحمد -رحمه الله- الذي حرص على وداع المنتخب العراقي بالمطار، وبعدها بأشهر قليلة لقي مصرعه على يد القوات العراقية في أول أيام غزوها للكويت..!

تاريخ يقشعر بدني كلما تذكرته.. وسامح الله جاسم جعفر وزير الشباب والرياضة العراقي الذي ذكرني به بالأمس، وهو يعلن انسحاب منتخب بلاده من دورة الخليج العربي الثانية والعشرين، رداً على قرار رؤساء اتحادات دول مجلس التعاون الخليجي لكرة القدم بنقل البطولة من البصرة إلى جدة.. وذكرتني به أكثر لغة الخطاب الفظة التي تضمنها بيان الانسحاب.

لا أدري لماذا نصر على أن نجعل من كأس الخليج دائماً مسرحاً لمواجهاتنا؟!.. لماذا نأبى إلا أن نحيطها بمشكلات نفتعلها من كل نوع؟!.. رغم أنها وُجدت لتقرب لا أن تفرق.. وللأسف إن ما يدور في دواوينها وكواليسها واجتماعاتها، بعيد تماماً عما أتت به ملاعبها من نجوم ومتعة وتنافس كان سبباً في عشق أهل هذه المنطقة المتوحدين دماً ولغة وثقافة وديناً، لهذه اللعبة الجميلة.

هذه المرة لم يكن هناك سبب حقيقي لافتعال أزمة، فالفيفا يحظر إقامة المباريات الدولية في العراق.. والأمن مازال مفتقداً في العاصمة بغداد وما حولها.. وهذان سببان كافيان لنقل البطولة من البصرة، بغض النظر عن اكتمال استعدادها ومنشآتها من عدمه، أو أنها تنعم الآن بالأمن أم لا.

وكلما أعدت قراءة بيان الوزير، تعجبت من المنطق الذي يحكمه، والتعالي الذي يسكن سطوره.. بيان آت وكأنه قادم من ماض بعيد، من مقر حزب البعث العتيد.. فلا يمكن للانسحاب أن يكون بأي حال من الأحوال رد اعتبار.. ونقل البطولة إلى جدة لا يعني أن السعوديين وقفوا ضد رغبة العراق وجماهيره.. كما أن تسفيه البطولة والتقليل من شأنها يتناقض تماماً مع الإصرار على استضافتها ورد الفعل العنيف على سحبها..!

لكنني على الطرف الآخر، أتعجب من رؤساء الاتحادات الخليجية، وعدم إتاحتهم المزيد من الوقت أمام العراقيين لمواصلة الجهد التفاوضي مع الفيفا لإنهاء حظره المفروض، أو لمعرفة ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية في الشهور المقبلة، فربما تحمل الأيام ما نظنه محالاً، ويهدأ العنف والتفجير.. كان بإمكانهم الانتظار إلى حين انعقاد كونغرس الفيفا على هامش مونديال البرازيل، بل كان من الممكن أيضاً اجتماعهم بالبرازيل عقب الكونغرس الذي سيحضرونه على أغلب الظن، ثم اتخاذ قرار نهائي حينها بشأن مكان "خليجي 22"، وهم الذين صبروا على اليمن حتى شهر من البطولة.. وربما تكون تلك الصرامة في التعامل هي النقطة الوحيدة التي أتفق فيها مع العراقيين، خاصة وأن جدة بإمكانها استضافة البطولة في أي وقت.. لكن على ما يبدو أننا نتناسى أحياناً أن دورة الخليج هي مجرد بطولة تضم ثمانية منتخبات فقط في نهاية الأمر، بغض النظر عن جحافل الإداريين والمسؤولين والإعلاميين الذين باتوا هم من يشكلون زخمها الرئيسي..!

من اليوم أعلن على مسؤوليتي أن المنتخب العراقي سيكون أول المنتخبات المتواجدة في شتاء جدة 2014، للمشاركة في "خليجي 22".. قد يصدر القرار غداً أو بعد شهر أو حتى سنة.. وقناعتي مستمدة من إيماني بأن الكيان الخليجي نضج بما فيه الكفاية سياسياً ورياضياً، وأن وحدة مصير أبناء الوطن الواحد والخليج الواحد باتت أقوى بكثير من أن يعيدها إلى الوراء قرار رئيس.. أو بيان وزير..!