لم ألتق خورخي فوساتي سوى مرة في مدينة شيكلايو البيروفية، بالفندق الذي كان يقيم فيه منتخب أوروغواي أثناء مشاركته في بطولة كوبا أميركا عام 2004، عندما ذهبت للقاء دييغو فورلان المنضم حديثاً حينها إلى مانشستر يونايتد.. لم أجلس مع فوساتي أكثر من خمس دقائق كانت كفيلة لتدفعني لمتابعته بعد ذلك، خاصة عندما شد الرحال إلى قطر لتدريب السد، ثم منتخب قطر قبل أن يرحل عنه عقب إجراء جراحة في القلب.
ومن الدوحة إلى كويتو في إكوادور ثم إنترناسيونالي في أوروغواي، قبل أن يعود إلى الخليج لتدريب الشباب السعودي ومنه إلى الدوحة مجدداً لقيادة السد للفوز بلقب دوري أبطال آسيا وبرونزية بطولة العالم للأندية..
وعندما أعلن العين تعاقده معه لخلافة مدربه كوزمين الذي تركه ذات صباح وتعاقد مع الأهلي، اعتقدت أن فوساتي بحماسه وشخصيته وخبرته، قد يكون خياراً جيداً يستطيع العين به المحافظة على لقبه المحلي والمنافسة آسيوياً أيضاً.
لكن العامل الوحيد الذي أثار شكوكي تجاه تجربته العيناوية الجديدة، أن الرجل لا يمكث طويلاً في مكان واحد، سبع سنوات مع سبع فرق.. لذلك عندما سألني الزميل أمين الدوبلي قبل أيام من انطلاق الدوري عن توقعاتي لهوية البطل أجبته: «قد يكون العين لو أكمل فوساتي معه الدور الأول، وهذا ما أشك فيه، لذا أتصور أنه قد يكون الأهلي..»!
قلت ذلك ولم أتوقع على الإطلاق أن يأتي رحيل فوساتي بهذه السرعة وقبل انطلاق البطولة بساعات..!
لذا فإنني لن أتوقف هنا أمام الرحيل القياسي لفوساتي، بل أمام تعاقد العين مع مدرب والاستغناء عنه قبل أن يبدأ مهمته فعلياً، وهو ما لا يحدث في أوروبا ولا في غيرها..
بصراحة جاء البيان العيناوي الصادر عن لجنة الاحتراف، ليقدم قرائن إدانة أكثر ما يحمل من مبررات لهذا الانفصال السريع بين نادٍ ومدربه..!
فالحديث عن اختلاف الرؤى ووجهات النظر الفنية قد يكون مبرراً لعدم التعاقد، لا أن يأتي بعده وقبل أن تبدأ المهمة..!
هل نقول: هيا نتعاقد ثم نتفاهم ونتفق..؟! لو كان بيان لجنة الاحتراف العيناوية شمل اعترافاً صريحاً بالمسؤولية وقال: «نعتذر لأننا أخطأنا في التعاقد مع فوساتي»، لربما ما كتبت هذا المقال، لكن أكثر ما يستفزني هو الاستخفاف بالعقول.. والتفسير الوحيد لقرار الانفصال، قد يكون رغبة اللجنة في وضع التشكيل أو تحديد طريقة اللعب.. ولو حدث هذا، فإنني هنا أحترم فوساتي الذي فضل الرحيل على الرضوخ والتنازل عن حقه الأصيل كمدرب..
عندما يتعاقد نادٍ كبير كالعين مع مدرب، فهو يعرف مع من يتعاقد.. لكن ما حدث أشبه بتعاقد ناشر مع رئيس تحرير ليبرالي معروف بالجرأة والاندفاع، ثم يقيله قبل صدور العدد الأول لأن صحيفته محافظة.. أو يتعاقد منتج مثلاً مع عمر الشريف ليسند إليه دور أكشن.. من المفترض أنك تعرف من البداية ماذا تريد، ومع من تتعاقد.
وما يزيد من درجة الاستفزاز أكثر من البيان العيناوي نفسه، تعامل الإعلام مع الموضوع، فلأنه العين.. أصبح أهل مكة أدرى بشعابها، وأنه من الجيد اتخاذ القرار مبكراً، وأن القرار سيكون نقطة تحول إيجابية.. أي تحول في مسيرة لم تبدأ بعد! بصراحة لو فعلها أي ناد غير العين أو الأهلي أو الجزيرة أو أي ناد آخر من المنتمين لفئة الكبار، لناله ما ناله..!
هذه المسألة هي تعبير واقعي عن وضع قائم في منطقة الخليج وحدها دون غيرها، يجعل من أنديتها على رأسها ريشة بين أندية العالم، في وقت «هلكونا» فيه بكلمة احتراف..!
بالطبع ليس مهماً خسارة أول مباراة أو قرار أو مقال، بقدر مأساة انتهاجنا لمبدأ إداري أو إعلامي خاطئ، لا يكفي وقوعنا فيه فقط، بل الأدهى محاولة إقناع الآخرين بأننا على صواب..!
