لا شك أن اللجان القضائية في اتحاد الكرة بما تحويه من انضباط واستئناف وميثاق شرف هي رمانة الميزان، التي يجب أن يحتكم إليها في القضايا الرياضية، كل فيما يخصه، فينتظر منها أن تنصف المظلوم وتشد على يد الظالم وتقومه.

وحتى لا أسهب في حديثي، سأخصص كلامي اليوم عن عمل لجنة الانضباط فحسب، فأين هي الآن؟ وما هو المطلوب منها مستقبلاً ؟ وقبل أي شيء لا بد وأن نقر أنه لا توجد على وجه هذه الأرض أعمال موصوفة بالكمال، فكل الأعمال منقوصة، لكننا مطالبون بالسعي نحو الكمال ومحاولة العدل، فلجنة الانضباط باعتبارها لجنة من اللجان القضائية بالاتحاد، منوط بها تحقيق العدالة على أعلى وجوهها حسب اختصاصها.

إن للجنة الانضباط مواقف كبيرة رجحت كفتها وأيدتها لجنة الاستئناف في وجهة نظرها، ولا شك أيضا أن لها من المواقف التي جعلت الناس يشيرون إليها بالبنان، معترفين أن هناك قضاة لا يخشون إلا الله، ولا يحكمون إلا بما أراده المشرع، ولم يكن ذلك إلا بناء على فهم دقيق للوائح، وبعد دراسة متعمقة وسهر طويل لإرساء القواعد التي تسير عليها الآن، لكن مع كل هذا يوجد بعض السلبيات التي يجب أن نواجه أنفسنا بها، وأنا هنا أتحدث عن وجهة نظري التي بنيتها من خلال خبرتي الرياضية والعمل في مجال القانون الرياضي.

والتي ربما يختلف معي الكثير فيها، أهم هذه السلبيات هي عدم تطبيق بعض نصوص لائحة الانضباط، ويظهر ذلك جليا في تعمد لجنة الانضباط إهمال نص المادة 12/1 من اللائحة، والتي تنص على أنه «تتم المساءلة عن المخالفات الانضباطية من قبل اللجنة بصورة تلقائية» فعلى الرغم أن اللجنة تعلم علم اليقين أن إعمال النص خير من إهماله، هو أصل من أصول القانون، وإلا لماذا يتم النص عليه ما دام أنه غير مطبق، فلم تصدر لجنة الانضباط نهائيا أي قرار بناء على قيامها بواجبها في المسائلة عن المخالفات الانضباطية من تلقاء نفسها دون أن تحركها شكوى أو أن يعلمها بلاغ، صحيح أنه يجب على صاحب المصلحة أو الحق البحث عن مصلحته وحقه، لكن هناك قيمة أكبر من المصالح الخاصة، يجب أن تكون في الحسبان.

ألا وهي الرغبة في الارتقاء بكرة القدم على مستوى الدولة وتنظيمها ومراقبتها على ضوء قواعد ومبادئ المنافسة الشريفة والقيم الرياضية والتربوية والإنسانية، علاوة على ضمان احترام جميع أعضاء الاتحاد للنظام الأساسي واللوائح والأوامر والقرارات الصادرة من «فيفا» والاتحاد الآسيوي واتحاد الكرة، بالإضافة لقوانين اللعبة ومنع انتهاكها، فإذا كانت هذه القيم هي الأولى بالتطبيق باعتبارها الأهداف الأساسية للاتحاد بالكامل، والذي ما وجدت اللوائح إلا لتنفيذها على أرض الواقع، والغريب أنني حاولت جاهدا أن أعرف ما هو السبب حول إهمال هذا النص، فلم أجد تبريرا واحدا لذلك، فهناك الكثير من الحالات التي تتطلب تدخل لجنة الانضباط، لكن تأبى لجنة الانضباط التدخل، تاركة الأمر بيد غيرها من اللجان، مثل لجنة دوري المحترفين، ولكن إذا ظلت الأمور تسير على هذا النهج ستصبح بذلك الرياضة ونزاهتها هي الخاسر الأول، والأندية أعضاء الاتحاد هي الخاسر الثاني، لماذا؟

لأن المخالفات التي ترصدها لجنة دوري المحترفين لا تخص إلا مسابقاتها فقط، هذا أولا، بمعنى أن المسابقات التي ينظمها الاتحاد غير منضوية تحت هذا الإجراء بما فيه من عدم المساواة، وثانيا تنحصر المخالفات التي ترصدها اللجنة حول المخالفات التي تقع خلف ظهر الحكم، أي التي لا يراها الحكم فقط، وهذا يتنافى مع اتساع اختصاصات لجنة الانضباط الكثيرة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.

ما هو الحل؟ كانت هناك محاولات عدة لي لتجنب هذه السلبية، بوضع مقترح لائحة مضمونها ضرورة تكوين لجنة فنية مختصة بمتابعة كافة المباريات في كافة المسابقات التي ينظمها الاتحاد ولجنة دوري المحترفين، ورفع تقرير عن أي مخالفة تقع بها إلى لجنة الانضباط، لاتخاذ القرار المناسب بشأنها، ولكن تم إدراج هذا المقترح في الأدراج، ولم نعلم حتى ما هو سبب الرفض حتى تاريخه، ولهذا نرجو من يوسف السركال أن يتبنى هذ المقترح الرائد، والذي يبتغى منه تحقيق العدالة بأغلى معانيها، علاوة على المصلحة الرياضية العامة، حتى ولو كان في اختصاص واحد فقط للجنة الانضباط.

والغريب أن «فيفا» نفسه يتبنى هذا الاتجاه عن طريق إعطاء الحق للجنة الانضباط مباشرة في مساءلة أي لجنة، لإثبات أي انتهاك للقواعد القانونية، إذ يقع عبء إثبات المخالفات الانضباطية على «فيفا» ولجانه.

وأخيرا لا أريد أن يفهم من كلامي السابق أنني أريد الانتقاد فحسب، لكنني انتقدت عملا علنيا، ووضعت مشكلة قائمة ومقترحات لحلها في ذات الوقت.