حتى لا تتحول البدعة إلى ظاهرة

كانت المهور وحفلات الزواج عندنا قليلة وبسيطة بساطة مجتمعنا آنذاك وأهلنا، ومع الطفرة النفطية، خاصة في الثمانينيات، تحول المجتمع من حال إلى حال في كل مناحي الحياة وتفاصيل المعيشة فيه، بما في ذلك حفلات الزواج التي تفشت فيها مظاهر البذخ والإسراف حتى أصبحت ظاهرة، وبرزت مفردات مثل غلاء المهور، وارتفاع تكاليف الزواج ضمن العناوين التي تتصدر أحاديث المجالس والصحف اليومية في اهتمامها بقضايا المجتمع.

ارتفاع أثار المجتمع، خاصة مع شكاوى الشباب المقبلين على الزواج من صعوبة تحمل تكاليف الزواج وتبعاته، إلى أن كانت وقفة باني البلاد الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حين أطلق فكرة منحة الزواج في إطار اهتمامه بتمكين الشباب ودعم الأسر الإماراتية، وتعزيز الاستقرار الأسري، وتشجيع الشباب على الزواج وفق شروط وضوابط.

وطبقاً للقانون الاتحادي رقم 21 لعام 1997، فقد تم تحديد المهر بـ20 ألف درهم لمقدم الصداق، و30 ألف درهم مؤخر الصداق، كان هذا القانون برداً وسلاماً على الشباب، وقد أصبح المهر مقنناً، ولم تعد الأسر تبالغ وتغالي في طلب المهور، طمعاً أو تفاخراً، كل حسب ما يريد ويرتئي.

وتوالت بعد ذلك برامج دعم الشباب في هذا الشأن على مستوى الحكومة الاتحادية، وكذلك مستوى الحكومات المحلية، مثل منحة الزواج، وسلفة الزواج الميسر، والزواج الجماعي، وبرامج ومبادرات عدة، آخرها كانت بطاقة «مديم» لدعم الشباب المقبلين على الزواج، أطلقتها دائرة تنمية المجتمع في أبوظبي قبل أشهر قليلة.

على الجانب الآخر، ظهرت «بدعة» جديدة، وهي تنظيم حفلات زواج في فنادق أوروبا تفوق حفلات الزواج التي تقام عندنا تكلفة وبذخاً؛ بحجة البحث عن الخصوصية بعيداً عن الأنظار، والتجربة الفاخرة بإقامة الحفلات في الفنادق والقلاع الأوروبية تقدم أجواء فاخرة وخدمات عالية الجودة تجعل من الحفل تجربة مميزة - على حد قولهم - وربما الجمع بين الزواج والسياحة، وكذلك قضاء «شهر العسل».

وعلى الرغم من التكاليف المرتفعة والغلاء الفاحش، فإن هذه العائلات تعتبرها فرصة للاستمتاع بتجربة فريدة وغير تقليدية تجعل من حفلات الزواج في أوروبا تجربة تمزج بين الثقافة الإماراتية والطبيعة الأوروبية.
وعلى هذا تصبح أشهر الصيف، وربما غيرها، وجهة العائلات لحضور وإقامة الحفلات التي تقتصر على من تمكنه مقدرته المالية من تحمل نفقات السفر والإقامة في أوروبا وشد الرحال معهم، فالحشر مع الناس هنا عيد، ومن لم تتمكن من السيدات من السفر فإنها تكتفي بالمشاركة الوجدانية ومشاهدة الفيديوهات المحملة بلقطات أوروبية.

إلى هنا قد يكون الأمر طبيعياً نوعاً ما، عائلة ثرية، وثانية أكثر ثراء، وثالثة فاحشة الثراء ابتدعت هذه البدعة، وقلدت الشخصية الفلانية التي طارت إلى أوروبا لتعيش هذه التجربة الفريدة للمزج بين الثقافة الإماراتية والطبيعة الأوروبية، والجمع بين أغنية «Here comes the Bride» مع زفة ادخلي عمري بخطوتك اليمين.. وأضوي أيامي وعتمات السنين.. قرة عيوني بشوفك مقبلة.

هذا إلى أن يتم ابتكار بدع جديدة، وقطعاً ستتطور بسرعة الصاروخ إذا ما أصبحت ظاهرة، فليس أسهل من التقليد عندنا، لكن السؤال: كيف سيكون المزج بين جهود رسمية تسير نحو دعم الشباب، وتعزيز دور الأسرة التي هي أساس أي مجتمع قوي آمن، وبين بدع تسير عكس الاتجاه ترسخ لعادات جديدة وسلوكيات قد لا تكون مستساغة، لكنها جديدة، والشباب يعجب بكل جديد ويلهث وراءه؟!

نؤمن بحق الناس في الاختيار ولا مساس بحرياتهم، لكن هناك حرائق تنطلق من شرارة، وأخطاء تتفاقم من نقطة.