مبادرة شبابية لدعم اللبنانيين نفسياً

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تحدثت باميلا كسرواني مع إيهاب ريشاني، أحد مؤسسي مبادرة «Be Brave Beirut» أو «كوني شجاعة يا بيروت» لكشف المزيد عن التأثير النفسي لانفجار بيروت في الرابع من أغسطس 2020 وكيف يتعامل اللبنانيون مع تداعيات ما آلت إليه الأوضاع في لبنان.

الضياع، الخوف، الهلع، القلق، الغضب، التوتر، الصدمة.. هذه بعض المصطلحات التي قد تطرأ على بال كل من عاش انفجار بيروت في الرابع من أغسطس 2020.

قد تختصر وقع الفاجعة التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص وإصابة الآلاف بجروح، وتشريد أعداد كبيرة من منازلهم.

فاجعة تركت أثراً على الحجر والبشر، وستبقى تداعياتها محفورة فينا لسنوات عديدة مقبلة.

في أعقاب الانفجار، تحرك الجميع- على الساحة المحلية والدولية- لمساعدة اللبنانيين. وحتى الآن، كثيرة هي المساعدات المادية التي تتوافد وإنما أيضاً النفسية.

طريقة أخرى

«كوني شجاعة يا بيروت» هي واحدة من هذه المبادرات التي ولِدت لتقديم الدعم النفسي لكل لبناني يبحث عنها. ويخبرنا إيهاب ريشاني، أحد مؤسسيها: «لاحظنا، أنا وأصدقائي أن كل المساعدات تتعلق ببرامج الإغاثة الغذائية وإعادة إعمار بيروت، لمساعدة الناس المحتاجة. فكّرنا بطريقة للمساعدة ووجدنا أن غالباً ما ننسى واقع الصحة النفسية للناس ما بعد الانفجار. فشخصياً، نحن كنّا منهارين».

وهكذا بدأت مبادرة صغيرة من دون اسم أو إطار لتقديم يد العون النفسية. ويتابع ريشاني قائلاً: «أنا لست طبيباً نفسياً لا بل استشاري ودرست هندسة مدنية. لكنني اقترحت الفكرة على أربعة من أصدقائي، وهم أطباء نفسيين، همّوا بالتواصل مع الناس على مواقع التواصل الاجتماعي».

ريشاني إلى جانب كريم نويهض وكيمبرلي سركيس وبانا عيتاني ونور عيتاني وراي قائد بيه بذلوا الجهود معاً ووجدوا أن كثيرين يرغبون بمساعدة نفسية بفضل المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

لاحقاً قرروا أن يضعوا لأعمالهم إطاراً تحت اسم «كوني شجاعة يا بيروت» Be Brave Beirut. ولعلّ أبرز ما يميز هذه المبادرة هي أنها تُبقي هوية المريض مجهولة. ويشرح لنا ريشاني: «في لبنان، كثيرون ما زالوا يعتبرون التوجه إلى طبيب نفسي من المحرمات وأن هذا العمل سيجعلهم ضعفاء».

ويتابع: «نريد أن يكون الجميع مرتاحين. نقدم خدماتنا عبر الهاتف وإذا أراد أحدهم أن نقابله وجهاً لوجه، يمكننا ذلك. أحياناً لا نعرف اسم الشخص أو جنسه.. هذه أمور ثانوية لأن الأهم هو ألا يخجل هؤلاء ويشعروا بالراحة معنا».

مبادرة انطلقت بخمسة أشخاص والآن باتت تضمّ مجموعة كبيرة من المتطوعين يتوزعون على فريق الأطباء النفسيين المندفعين لتقديم يد العون. ويشدد ريشاني على أن معظمهم أنهوا دراستهم أو يكملون الماجستير لكنهم لا يملكون إجازة عمل. ويتابع: «للعمل معنا، عليهم أن يحصلوا على شهادتين، الإسعافات الأولية النفسية والصحة النفسية والدعم النفسي».

فريق فاعل

وهناك أيضاً فريق المحتوى الفاعل جداً على صفحة المبادرة على إنستغرام. هنا يشير ريشاني: «هدفنا أيضاً نشر وزيادة الوعي حول كل المواضيع المتعلقة بالصحة النفسية مثل تشوه الجسم، اضطرابات الطعام وغيرها».

إلى الجانب الفريقين، نجد أيضاً فريق التسويق الذي يقوم بتصميم الصور ونشرها، وفريق التواصل الذي يتولى مهمة التشبيك مع جمعيات ومبادرات أخرى والوصول لأشخاص لإعطائنا تدريبات، أو استخدام المزيد من الأطباء النفسيين المرخص لهم، وأخيراً فريق لوجستي لتنسيق الاجتماعات والنشاطات.

متطوعون كثيرون يوفّرون الدعم لأشخاص وجدوا برّ الأمان في هذه المبادرة. ويخبرنا ريشاني: «معظم المستفيدين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 (بعض الأطفال) ويتوزّعون سواسية بين الرجال والنساء. ويتابع: «الأكثرية من ذوي الدخل المحدود وهم من أصيبوا في الانفجار، أو خسروا شخصاً عزيزاً أو لديهم جريح أو فقدوا منازلهم».

أما عن العوارض، في غالبيتها تتمحور حول الصدمة. «شعرنا بأن هويتهم اختفت لا بل كانوا يفكرون بما آل إليه لبنان وانعدام الأمل. أرادوا أن نرفع معنوياتهم»، على حد قول ريشاني.

ويخبرنا: «قبل أسابيع، شهد لبنان ليلة عاصفة والكثير من البرق والرعد (ما هو طبيعي في الشتاء) إلا أننا وردتنا الكثير من الاتصالات لأشخاص تذكروا صوت الانفجار والشعور بهزّ الأرض.. انتاب الخوف كثيرون من أنهم سيعيشون انفجاراً ثانياً. وصلتنا أيضاً حالات انتحارية. وفي هذه الحالة، نحيلها إلى أشخاص أكثر خبرة».

صدمة وعوارض

تداعيات ما بعد الصدمة أو بالأحرى الصدمة لأنها لم تنتهِ بعد كثيرة لكن الأهم أن المساعدة ليست بعيدة المنال. «كوني شجاعة يا بيروت» تملك حسابات مختلفة على مواقع التواصل، وليس عليك إلا ملء استمارة ليتم التواصل معك بعد أقل من 48 ساعة أو أحياناً على الفور، إذا كانت الحالة طارئة.

ثلاثة أشهر مرت على الانفجار وما زال الناس يتواصلون مع المبادرة المساعدة لاسيما أنها مجانية. ويشدد ريشاني: «لا نساعد من تأثر من انفجار بيروت فحسب لا بل نقبل كل الحالات التي تصل إلينا ونحاول أن نعالجها. في لبنان، لدينا وضع اقتصادي غير متزن، ومشاكل سياسية، وجائحة كوفيد 19 مستمرة؛ كل ذاك يتراكم ويلاحظ الناس أنهم بحاجة لدعم نفسي وعاطفي».

ولا بد أن نتذكر أن الصدمة جراء الانفجار أحياناً تحتاج إلى أيام أو أسابيع أو أشهر لتظهر عوارضها. ولذلك، يشدد ريشاني على أهمية أن يكون الدعم مستمر من قبل كل الهيئات المعنية.

المستقبل؟ مواصلة الدعم لكل لبناني بحاجة إلى مساعدة ـ سواء كان في لبنان أو الخارج- إضافة إلى توفير التدريبات لبناء قدرات فريق المتطوعين والأهم، بالنسبة لريشاني، مواصلة تقديم الدعم النفسي مجاناً.

* إعلامية وباحثة اجتماعية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات