طبقاً لدراسة أجريت سنة 2015 فإن الفيروس يقتل 59 ألف شخص سنوياً أي 160 شخصاً يومياً، والرقم الحقيقي يمكن أن يكون أعلى بكثير لو قمنا بحصر الحالات التي لا يتم التبليغ عنها أو معالجتها.
إن معظم تلك الوفيات تقع في آسيا وأفريقيا علماً أن الهند وحدها تشكل ثلث إجمالي وفيات العالم من داء الكلب.
إن الفيروس الذي يصيب دماغك ويجعلك تريد أن تعض الأشياء وهو في معظم الحالات قاتل بعد ظهور الأعراض يبدو كأنه من فيلم عن الموتى الأحياء، ولكن هذه هي عوارض داء الكلب منذ 2300 سنة قبل الميلاد على أقل تقدير، وذلك عندما تم وصف ذلك الداء في مدونة إيشوما بابل. إن أصل الكلمة باللغة السنسكريتية - رابهاس تعني «القيام بعمل عنيف»- تعود لتاريخ أقدم من ذلك يرجع لسنة 3000 قبل الميلاد.
من حيث المبدأ يجب أن لا يموت أي شخص في عصرنا هذا من مرض الكلب، ولكن طبقاً لدراسة أجريت سنة 2015 فإن الفيروس يقتل 59 ألف شخص سنوياً أي 160 شخص يومياً والرقم الحقيقي يمكن أن يكون أعلى بكثير لو قمنا بحصر الحالات التي لا يتم التبليغ عنها أو معالجتها. إن معظم تلك الوفيات تقع في آسيا وأفريقيا علماً أن الهند وحدها تشكل ثلث إجمالي وفيات العالم من داء الكلب.
إن إجمالي الوفيات ليس بحجم الوفيات الناتجة عن مرض السل وفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز والملاريا، ولكن بخلاف تلك الأمراض فإنه يبدو أن كل الثدييات معرضة للإصابة بداء الكلب. إن الكلاب والتي تعتبر المضيف السائد في معظم المناطق يمكن أن تصاب من أي حيوان بري مسعور ومن ثم تصيب البشر.
إن الكلاب التي تظهر فيها الأعراض يمكن أن تعض البشر ولكن بإمكانها أيضاً نقل الفيروس بكل بساطة وذلك عن طريق اللعق لو حصل اتصال بين لعاب تلك الكلاب وخدش أو جلد متضرر أو الغشاء المخاطي.
إن فيروس داء الكلب يختطف النظام العصبي وفي واقع الأمر يتلاعب في العمليات العصبية وذلك لجعل مضيفه يتحرك بشكل أسرع. إن البشر المصابين سوف يعانون في نهاية المطاف من الهلوسة والعدوانية وحتى أنهم في المراحل المتقدمة من المرض سيخافون من الماء.
عندما تظهر تلك الأعراض فإن داء الكلب لا يوجد له علاج معروف والموت سيكون حتمياً تقريباً ولكن لحسن الحظ بخلاف معظم الأمراض التي يمكن الوقاية منها عن طريق اللقاح فإن داء الكلب يسمح بالتطعيم بعد التعرض للمرض لأن الضحية تعرف بشكل عام متى أصيبت – خاصة عند تعرضهم للعض- كما إن فترة حضانة المرض هي طويلة نسبياً وهي تمتد من أيام لسنوات.
ولكن بالمعدل من ثلاثة إلى ثمانية أسابيع وسواء تم استخدام اللقاح قبل أو بعد الإصابة فإن اللقاح هو نفسه، ولكن جدول التطعيم والجرعة يختلفان في الحالتين.
لقد قام العالم الفرنسي لويس باستور بتطوير أول لقاح لداء الكلب سنة 1885 وذلك عن طريق حقن الأرانب بالفيروس والانتظار حتى تقتلها وبعد ذلك تجفيف الإنسجة العصبية المصابة من أجل إضعاف الفيروس لدرجة يتم فيها استخدامه بشكل آمن. ولقد قام بعد ذلك بتجربته بنجاح على ولد عمره تسع سنوات عضه كلب مسعور.
وفي عالم اليوم فإن باستور كان سيسجن لممارسته عمل الطبيب بدون ترخيص وعدم اتباعه الإجراءات القياسية السريرية الصحيحة، ولكن يجب أن نكون جميعاً شاكرين لما إاكتشفه باستور.
أما اليوم فتزرع لقاحات داء الكلب في المختبر باستخدام زراعة الخلايا، وبعد ذلك يصبح الفيروس غير نشط ومصفى ويمكن إعطاؤه للمريض عن طريق حقنة في الذراع.
توصي منظمة الصحة العالمية بإعطاء اللقاحات ما قبل التعرض لأي شخص تنطوي وظيفته أو مكان سكنه على مخاطر مستمرة أو متكررة أو متزايدة للتعرض لداء الكلب وهذا ينطبق على أي شخص في البلدان الموبوءة بداء الكلب ولكن لسوء الحظ لا يتم تطعيم كل شخص في تلك البلدان.
إن لقاح داء الكلب هو على قائمة منظمة الصحة العالمية للأدوية الضرورية ومعدل سعره بالجملة يصل إلى 11 دولاراً أميركياً لكل جرعة في الدول النامية وإلى 250 دولاراً أميركياً في الولايات المتحدة الأميركية. وبالطبع، نظراً لأن البديل للتطعيم بعد الإصابة بالمرض هو الموت فإن العلاج يعتبر فعالاً جداً من حيث توفير النفقات بغض النظر عن كيفية نظر المرء لهذه المسألة.
لقد تم القضاء على الجدري الذي يعتقد أنه ظهر قبل داء الكلب كما توجد برامج حالياً للقضاء على شلل الأطفال ومرض دودة غينيا وغيرها من الأمراض المعدية. فإذاً لماذا يبقى داء الكلب منتشراً؟
إن أحد الأسباب هو أن الفيروس عادة ما ينتقل عن طريق الحيوانات عوضاً عن البشر الآخرين. ومن أجل التعامل مع ذلك يتوجب علينا الاستثمار في لقاحات الحيوانات الأليفة وخفض أعداد الحيوانات البرية والضالة وتطبيق إجراءات حجر صحي صارمة على الحيوانات التي تعبر الحدود الوطنية.
أما في الدول المتقدمة فإن الوقاية من داء الكلب تتطلب بشكل عام التحكم بأعداد الحيوانات البرية وتطعيمها وهو أسلوب أثبت نجاحه في سويسرا وألمانيا. أما في دول أميركا اللاتينية فإن داء الكلب الذي ينتقل عن طريق الخفافيش يشكل تهديدا وعليه تم استخدام اللقاحات البقرية ومضادات التخثر من أجل قتل الخفافيش التي تحصل على طعامها من دماء الماشية التي تم علاجها.
في نهاية المطاف فإن المناطق الأفقر في العالم ما تزال تتحمل معظم أعباء داء الكلب. فالكلاب لا يتم تطعيمها على نطاق واسع كما هو الحال في الدول المتقدمة، وحتى لو تم تطعيمها فإن أعدادها تتزايد بشكل سريع. وخلال سنة من بذل جهود على نطاق واسعة من أجل التطعيم فإن جيلاً جديداً من الكلاب التي لم يتم تطعيمها ستتجول في الشوارع مما يزيد من خطر انتشار الوباء.
في الوقت نفسه فإن أنظمة الرعاية الصحية في الدول النامية تصارع من أجل التعامل مع السل ومرض نقص المناعة البشرية / الإيدز والملاريا، كما أن إمدادات الوقاية لمرحلة ما بعد التعرض محدودة وما لم يتم تحقيق تقدم حقيقي من أجل التغلب على تلك التحديات فإن واحداً من أقدم الفيروسات الموجودة في العالم سيستمر في إصابة البشر والحيوانات على حد سواء.
* خبير طبي إقليمي في سانوفي باستور

