مكافحة شلل الأطفال

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تصل ميزانية القضاء على فيروس شلل الأطفال في الفترة ما بين عامي 2013 و2019 إلى 7 مليارات دولار. وقد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها بتوفير 116 مليوناً من اللقاحات للأطفال في باكستان منذ عام 2014، لتقدم بذلك نحو 440 مليون درهم لهذا المشروع.

صار العالم أقرب إلى القضاء على شلل الأطفال أكثر من أي وقت مضى. شلل الأطفال، ذاك الفيروس المدمر، الذي يترك الأطفال عرضة للإصابة بالشلل وتلف العضلات. لقد أصاب هذا المرض الإنسانية على مدار آلاف السنين، إذ أظهرت الهيروغليفية المصرية صورًا لأشخاص بأطراف مبتورة نتيجة الإصابة بهذا الفيروس. والآن، يبدو أن هذه المعركة المستمرة منذ أمد طويل ضد هذا المرض اللعين قد شارفت على النهاية.

ومع افتراض أن السنوات الثلاث المنقضية لم تشهد ظهور حالات إصابة جديدة بالفيروس، تستطيع الهيئات الصحية العالمية أن تعلن القضاء على شلل الأطفال، لتسجل بذلك انتصارًا في المعركة ضد الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

عندما بدأت المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال (GPEI) عام 1988، كان هناك 350 ألف حالة مؤكدة للإصابة بالمرض حول العالم.

وهذا العام حتى الآن، هناك 19 حالة فقط من شلل الأطفال البري في باكستان وأفغانستان – الدولتان اللتان لم يتم التخلص فيهما من هذا المرض بعد.

يقول الدكتور رضا حسيني، رئيس قسم شلل الأطفال بمنظمة اليونيسيف التي تقود جهود توفير اللقاحات والتعبئة الاجتماعية ضمن المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، وتصل بلقاحات هذا المرض لنحو 500 مليون طفل في أكثر من 70 دولة كل عام: «إننا نحاصر الفيروس الآن. وقد صارت المناطق التي لا يزال الفيروس موجودًا بها تتضاءل بشكل كبير، ما يعد مؤشرًا على أننا في نهاية طريقنا نحو القضاء عليه».

يستغرق الأمر ثلاث سنوات منذ آخر حالة إصابة مؤكدة بشلل الأطفال حتى تعتبر الدولة خالية من شلل الأطفال. نيجيريا الآن في عامها الثاني من دون أي حالات إصابة مؤكدة بالمرض، وفي حال عدم ظهور حالات جديدة لعام آخر، سيتم حينها إعلان نيجيريا دولة خالية من شلل الأطفال.

يرجع استمرار الفيروس في باكستان وأفغانستان إلى أنظمة الرعاية الصحية الضعيفة، وارتفاع الكثافة السكانية، وضعف أنظمة الصرف الصحي وغياب الأمن.

ويأمل الخبراء أن تتمكن كل من باكستان وأفغانستان من هزيمة هذا الفيروس بحلول عام 2019، حتى يتم إعلان العالم كله خاليًا من شلل الأطفال.

لقد تطلب الأمر تضافر جهود الحكومات حول العالم، وكذلك المنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الخيرية حتى يتم الوصول إلى هذه المرحلة، التي أصبح فيها ما يزيد على 15 مليون طفل كانوا مهددين بالإصابة بالشلل طيلة حياتهم، قادرين اليوم على السير على أقدامهم.

يقول الدكتور حسيني «إن الجمع بين استخدام التكنولوجيا والتقريب بين الناس هو ما حقق ذلك الإنجاز».

تصل ميزانية القضاء على فيروس شلل الأطفال في الفترة ما بين عامي 2013 و2019 إلى 7 مليارات دولار. وقد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها بتوفير 116 مليونا من لقاحات شلل الأطفال للأطفال في باكستان منذ عام 2014، لتقدم بذلك نحو 440 مليون درهم لهذا المشروع.

إن حملة الإمارات لمكافحة شلل الأطفال هي مبادرة حكومية مكرسة للجهود العالمية للقضاء على المرض، وفيما يتعلق بباكستان، فقد ساعدت الأطفال في 66 منطقة في جميع أنحاء البلاد، وعملت جنبًا إلى جنب مع مؤسسة بيل ومليندا غيتس، والتي تعد أيضًا جزءاً من المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال.

يقول الدكتور حسيني «علينا أن نتحدث عن الوفورات التي تحققت على مدار السنوات» مضيفًا «كنا في كل عام نشهد إصابة 350 ألف طفل بالشلل، ومع وجود كل هؤلاء الأطفال المصابين بالشلل، وما يتطلبه ذلك من علاج – أمر يضاف إلى التكلفة»

إن الوصول إلى عالم خالٍ من شلل الأطفال سوف يحقق وفورات مالية بنحو 50 مليار دولار على مدار السنوات العشرين المقبلة وفقًا لمنظمة اليونيسيف.

لكن، وعلى الرغم من أن نهاية المرض تصبح ممكنة أكثر وأكثر كل يوم، فإنه لا تزال هناك عقبات في الطريق. إذ يجب الاستمرار في تطعيم الأطفال حول العالم بشكل منتظم لمنع المرض من الزحف والانتشار من جديد.

وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن التهديد الأكبر يتعلق بأزمة المهاجرين، حيث الكثير من الأطفال الذين لا تسنح لهم الفرصة بمتابعة اللقاحات.

خلال العام الماضي، ساهمت عملية تطعيم طارئة استمرت 12 شهرًا في الشرق الأوسط في وقف تفشي فيروس شلل الأطفال، الذي بدأ في سوريا وانتقل إلى العراق، مخلفًا 38 طفلًا مصابًا بالشلل. وقد تطلب الأمر تضافر جهود ثماني حكومات بالمنطقة لاحتواء الفيروس ووقف انتشاره. لكن لا يزال هناك خطر من ظهور حالات جديدة.

ويقول الدكتور حسيني إن الحكومات التي شهدت تدفق اللاجئين إليها يجب أن تضمن «أن الأطفال قد تم إعطاؤهم اللقاحات المطلوبة – فهذا هو النموذج الأول للدفاع». إن الفشل في القضاء على فيروس شلل الأطفال قد يؤدي إلى عودة المرض عالميًا بنحو 200 حالة سنوياً على مدار عشر سنين في جميع أنحاء العالم – وهو المصير الذي قد يدمر جهود مكافحة هذا المرض.

وإذا ما نجح الأمر، وتم القضاء على فيروس شلل الأطفال، من الممكن أن تستخدم هذه التجربة في علاج أمراض أخرى يمكن الوقاية منها، مثل الملاريا.

يقول الدكتور حسيني «هناك الكثير في تجربة القضاء على فيروس شلل الأطفال قد يصلح في مكافحة أمراض أخرى أو القضاء عليها» مضيفًا «إن الشبكة لديها الكثير مما يمكن أن تقدمه لمكافحة أمراض أخرى».

وبشكل أساسي، تعد شبكة العاملين والمتطوعين الميدانيين، والذين ينخرطون مع المجتمعات المحلية ويقدمون المعلومات اللازمة، وكذلك وجود هيئة مستقلة لمراقبة العمليات والقارات وصناعة السياسات، من الأمور الأساسية في مكافحة أي مرض من الأمراض. ويمكن للتكنولوجيا أيضًا أن تقوم بدور في توفير البيانات الديناميكية في وقتها.

يقول الدكتور حسيني، الذي ساعد في التعجيل بالقضاء على فيروس شلل الأطفال «فيما يتعلق بالحصول على البيانات، وتحليلها، والوصول إلى نتائج سريعة، لعبت التكنولوجيا دورًا كبيرًا في اتخاذ إجراءات فورية».

وفي الآونة الأخيرة، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا دورًا في الوصول إلى المجتمعات وتوعيتها بأهمية التطعيم. يقول الدكتور حسيني «إن الرسالة التي تعلمناها من شلل الأطفال هي أنك بحاجة إلى الانخراط في المجتمعات لخلق الحاجة إلى التطعيم من داخل المجتمع».

لقد ثبت أن الجمع بين مزايا التكنولوجيا وإنشاء شبكة دعم قوية داخل المجتمعات، أمر حيوي في مكافحة شلل الأطفال، وسيكون مهمًا وحيويًا أيضًا في مكافحة أي مرض آخر. لقد أعطانا النجاح في الحرب ضد مرض شلل الأطفال الأمل في أن النهج الذي وضع في مكافحة هذا المرض، يمكن أن يستخدم في مكافحة أمراض أخرى والقضاء عليها. فهل في مقدورنا أن نتطلع إلى مستقبل خالٍ من الأمراض.

* متخصصة في قضايا وشؤون الشرق الأوسط

طباعة Email