ندرك تماماً اهتمام الناس، بل هوسهم بوسائل التواصل الاجتماعي الذي أصبح يشكل حالة مرضية ليس بين الصغار فحسب بل حتى الكبار، وأضحى اهتمامهم بأن يكون كل ما يأتون وكل تصرف يبدر منهم تحت الأضواء، فلا يمد يديه للطعام قبل أن يصور المائدة أو طبقاً ولا يرشف قهوته قبل أن يعلم من معه من متابعيه بأنه مقبل على ارتشاف قهوة الصباح أو شاي المساء، إن خرج في نزهة مع أسرته، إن اختلى بنفسه كل ما يمارسه في حياته الاعتيادية أصبح متاحاً للجميع لا خصوصية يحتفظ بها لنفسه، ولا نشاط يختص به لنفسه وأسرته.

ربما لا توجد مشكلة كبيرة في ذلك، من منطلق الحرية الشخصية طالما لم تنل من حريات الآخرين، لكن ما نلاحظه من الجيل الجديد أن حدود الضرر تجاوز ليؤذي الغير من خلال كبسة زر وإرسال ما يصله إلى غيره لتصبح خلال ثوان بين يدي الآلاف، دون تفكير منه في نتائج فعلته، مبعثه أنه لم يعد لدى الكثير شيء يختص به لنفسه ولا سر يحافظ عليه، كل ما لديه مشاع ومن حق الجميع الاطلاع عليه، حتى يخرج عن نطاق السيطرة ويصبح الكي والضرب بيد من حديد هو آخر العلاج، لمرض بسيط كان من الممكن تخفيف وطأته بل وعلاجه نهائياً بمسكن أو أبسط أنواع الأدوية.

يتساءل المرء لماذا تغير مجتمعنا ؟ وماذا طرأ عليه من تغيرات تمكنت من أن تجتث قيماً ثابتة من نفوس النشء من الجنسين الذي لم يعد يراعي آداباً، ولا يصون حقوقاً، أصبح كل شيء عنده عادياً ولا يعير مغبة أفعاله بالًا، لماذا أصبح البعض بلا قيم تردعه، ولا أخلاق ترده عن سلوكيات مضرة.

المدنية الجميلة تمكنت من تغيير نمط حياتنا، وأصبح كل شيء اليوم أجمل من الماضي ربما من وجهة نظر الكثيرين، لكن قطعاً نالت من أشياء أجمل ليتها بقيت واستمرت.

أصبحت الحاجة ماسة لأن تعيد الأسر حساباتها في تربية الأبناء وأن تعيد السلوك القويم إلى مساره الصحيح، حتى لا ينفرط العقد وتتناثر لآلئه، وأن يكون لمؤسسات التربية والتعليم أدوارها في غرس القيم في نفوسهم، وأن تصبح المدارس ساحة للتربية قبل التعليم، فلا غنى عن الأخلاق مهما تلقى الصغير علوماً حديثة ومهما برع فيها، سيبقى خاوياً أجوف ما لم يمتلأ رأسه بالثوابت والقيم.