جمعة حزينة ممزوجة بالفخر عاشتها الإمارات بأسرها من أبوظبي وحتى آخر نقطة في رأس الخيمة، أسدل الليل ظلامه وأبت العيون أن تنام والأجساد أن ترتاح، سهر الجميع حتى الصباح استعداداً لاستقبال جثامين الشهداء الطاهرة الذين استشهدوا في اليمن إلى مثواها الأخير.

بدا صباح السبت كغيره من صباحات الوطن الجميلة المليئة بالحياة والنشاط والحيوية، صباح على الرغم من الحزن العميق والألم الكبير لكنه كان مفعماً بالفخر، فخر الوطن بأبناء قدموا أرواحهم رخيصة فداء للوطن في حرب مقدسة لم يكن لنا خيار أو بد من خوضها.

حزن كبير كان مثل شريط لف مناطق الدولة، فخرج الجميع ينتظرون موكب شهداء الوطن، ليودعوا في مظاهر من الفخر 45 كوكباً كتب لهم الشهادة.

رقم كبير ولا شك وثقيل على النفس تقبله، لكن السلطات المسؤولة تعاملت بكل صدق وشفافية مع الكارثة وراعت أن تقدم للمواطنين الأرقام الصحيحة فلا يقعون فريسة إعلام موجه لا يتوانى عن بث المغالطات والافتراءات والأكاذيب، موقف كان محل تقدير وإكبار من المجتمع الذي جدد ثقته بقيادته وحكمتها ومضيه خلفها، مؤمناً كل الإيمان بما تنتهجه من نهج العدالة والسلام الذي هو خيارها على الدوام ولم تلجأ يوما إلى غيره ما لم تجبر على ذلك.

مع شدة الموقف وقسوته كان المواطنون الذين التفوا حول أسر الشهداء في ثبات كبير على المبدأ جنبا إلى جنب مع القيادة السياسية، بل وسارع بعضهم، وبمجرد أن تلقى نبأ الشهادة، برفع علم الدولة عاليا معلناً فخره بشهادة الأبناء في سبيل الوطن، وهل هناك فخر يضاهي هذا!

من المستشفيات حيث كان الأهالي بانتظار الجثامين، إلى المساجد للصلاة على الشهداء، فالمقابر، ثم مجالس العزاء، فإنه يصعب على المرء أن يعرف من المعزين ومن صاحب العزاء، بل لم يكن يعرف أيعزي ذوي الشهيد أو يعزي نفسه، فالمصاب واحد والفخر كذلك واحد.

مضى الوقت ثقيلاً متثاقلاً، بدأت قائمة الأسماء وصور الشهداء تضيء وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، شباب قدموا حياتهم من أجل الوطن لنحيا بأمان، شباب لا شك أنه كان لكل منهم أحلامه الخاصة به، لكنهم انحازوا لتحقيق الحلم الأكبر واختاروا الوطن، فهنيئا لهم هذا الاختيار والانحياز.

شهداء الوطن قدموا دروساً للآخرين، أمام عطائهم لا نجد ما نقدمه، فما كان منهم هو قمة العطاء، وماذا عسانا نفعل سوى أن نقتدي بأمهات عظيمات أرضعن أطفالهن الولاء والانتماء مع الحليب، فكبروا وكبرت معهم مشاعر الحب التي علت فوق كل الأحاسيس، فنذروا أنفسهم للدفاع عن الأرض والعرض وحماية أرواح الناس وأموالهم، وباقتدائنا بهن، نهدي الوطن أبناء بررة مخلصين لتراب الوطن يلبون النداء أينما كانوا.