نستكمل حديث الأمس حول ضرورة أن تحتوي معسكرات تتبع وزارة الداخلية شباباً يخطئون ويقعون تحت طائلة المساءلة وتقضي المحاكم بحبسهم أشهراً أو أسابيع، حبس يكون بداية الضياع، وبداية صناعة مجرم يعيش بين مجرمين عتاة، ومنهم يتعلم صنوف الإجرام.
نقف هنا عند حالة عائلة ابتلي ابنها بالوقوع في براثن الإدمان والدخول في عالم مملوء بالخراب والدمار، هو عالم المخدرات، أقلها حبوب تغيبه عن الوعي، فشلت مع هذا الابن كل محاولات العلاج وإعادته إلى أحضانها، إلى أن استفاقت هذه الأسرة على كارثة أخرى، وهي إدمان الابنة، كان الخلاص من هذه الطامة من وجهة نظرها أن تسلم الابن إلى مصحة يتلقى فيها العلاج، وجهات تردعه وتعيده إلى الصواب وتدمجه في مجتمع غاب عنها بسبب الإدمان.
مرت الأيام والأشهر، وخرج الشاب الصغير لتكتشف أسرته أنه لم يعد مدمناً فحسب، بل مصنعاً للمواد المخدرة، أي أنه أصبح يكتفي ذاتياً، ولا حاجة إلى العناء كي يحصل على غايته ومبتغاه من المخدر، وكأنه حكم عليه أن يبقى ما حيا مدمنا، فماذا عسا هذا الأب أن يفعل، وأين عساه يطمئن إلى ابن أراد له الصلاح والخلاص، السؤال: أمثال هؤلاء من يحميهم؟
مثله طفل آخر نشأ وتربى في أسرة فقيرة، تشتت بفعل فقدانها الأم، وبقي الأب مسؤولاً عن رعاية ثلاثة صغار، سعيد أكبرهم الذي كان سعيداً بسرقة بعض الحلويات والأطعمة التي يسيل لها لعابه، ولا تتمكن أسرته من تأمينها له، لم يجد من يردعه، فامتدت سرقاته إلى ما هو أكبر، حتى أصبحت عادة أن يتجه نحو المسجد، يترك «نعاله» ويرتدي آخر جديداً، إلى أن دخل مع رفاقه بيوتهم، خرج بما خف وزنه ووجده أمامه، الحمام وأنواع العصافير في البيوت لم تكن تسلم منه، في المدرسة يقضي السنة بسنتين حتى بلغ التاسعة عشرة وهو لا يزال في الصف التاسع، يدخل التوقيف ويخرج، وفي كل مرة تزداد خبراته في السرقة والسطو على البيوت والمحال المغلقة، فأصبحت تطلعاته أكبر، وأحلامه أوسع في تأمين المال، حتى كان ذلك اليوم الذي تجرأ فيه أن يدخل بيت الجيران.
وقد لمح في فناء منزلهم دراجة نارية جديدة أرادها لنفسه، مستغلاً في ذلك خبراته المتراكمة، سرقها وذهب بها إلى بيت زميل له في المدرسة يصغره بسنوات، وهذا خطأ كبير يتكرر في مدارسنا، إذ نجد الطالب ذا الأربعة عشر يزامله طالب في العشرين وربما أكثر، سلمه إياها على سبيل الأمانة قبلها، جاء آخر وهو طالب في المدرسة ولا علم له بأمر الدراجة، أخذها وخرج يلهو بها، ليكتشف أنها مسروقة، وبفعل الواقع والحالة، أصبح هذا مداناً ومتهماً باستخدام وسيلة مسروقة، ويواجه حكماً بالحبس، وصحيفة جنائية ملطخة ما حيا نتيجة خطأ قد يكون بألف، وإجراء يتبع وراءه الآلاف ما لم يتم تدارك مثل هذه الحالات، وما لم تظهر مؤسسات أمنية ومدنية تدعم هذه الحالات وتنقذها، بل تنتشلها مما لا يُحمد عقباه.
الأمر بحاجة إلى تكاتف وتفاعل شعبي ورسمي ومؤسسي مع قضية وطنية تستحق استيعاباً أكثر وتفهماً أشمل مع حالات تخطئ ولا تأثم، تقع ولا تذنب، في هذا ربما كانت شرطة عجمان بشقها المجتمعي أكثر تفاعلاً وتفهماً من غيرها، والأنجح في لمّ شتات من أخطأ، وإعادته إلى الصواب دون التعجل في ممارسة الصلاحيات، وقبل اللجوء إلى عصا القانون.
نحن لا تنقصنا المؤسسات التي تقع على مسؤولياتها رعاية كل فئات المجتمع، لكن السؤال: هل كل منها تؤدي ما عليها بأمانة؟