كان يوما عاديا كسائر الأيام، لم يسكن ضجيجه سوى ذلك النبأ ذي الوقع الصاعق على الأسماع: "الدكتور عبد الله عمران تريم في ذمة الله"، لم يدع مجالا للمتلقي لأن يستفسر كيف ومتى، فالحدث أكبر من أن تخوض الكلمات في تفاصيله، فقد خارت قوى كثير ممن سمعوا الخبر، لكنه القدر والأجل المحتوم الذي لا مفر منه.
كان الدكتور عبدالله عمران، رحمه الله، سيرة في العمل والعطاء للوطن ومن فيه بكل إخلاص وأمانة، وأحد رموز دولة الاتحاد، حمل بيديه شعلة البناء من البدايات، حيث لم يكن البناء سهلاً إطلاقاً، وحين كانت المسيرة تستهلك الكثير وتحتاج إلى الكثير.
مَنْ عرف الدكتور عبدالله عمران تريم وزيراً سواء للتربية والتعليم أو العدل، فقد عرفه مسؤولاً أعطى العمل جل ما كان في مقدوره واستطاعته، وأحدث نقلة في "التربية" بمقاييس تلك المرحلة، وبكل حب؛ يذكر أبناء وبنات الإمارات مراحلهم الأولى في التعلم حين كان المرحوم وزيراً.
أما مَنْ عرفه صحافياً وصاحب قلم ومؤسس دار الخليج مع شقيقه المرحوم تريم عمران تريم، ربما عرفه أكثر وتعرف إليه عن قرب، حتى لامس جوانب كثيرة في شخصية إعلامية ذات سبق. كان قلبه قبل مؤسسته مفتوحا أمام كل من طرق الباب، يتسع لكل مَنْ كانت الكلمة رفيقته والقلم سلاحه في ساحة الشرفاء وميدان العمل.
من ذا الذي لم يكن على علاقة بصورة أو بأخرى بهذه المؤسسة التي لطالما كانت ساحة "بو خالد" المُنارة، فيها ومنها؛ يكافح ويناضل ويدافع عن حقوق الوطن والمواطن والإنسان أينما كان، ليترك بصمات عالية الوضوح في الوطنية والقومية العربية، يتغنى بها من الشارقة إلى العالم العربي وأبعد.
ومن ذا الذي لم يجد، من لدن المرحوم بإذن الله، مكاناً لتحقيق أحلامه، ومتسعاً لاحتضان مواهبه. أذكر بكل فخر وامتنان، وعرفان بالجميل، حين كانت "الخليج" وعاءً احتوى كتاباتنا المتواضعة أنا وزميلات لي، ونحن تلميذات في المرحلة الاعدادية، كبرنا وكبرت في أرجائها أحلامنا وأمانينا في عالم الصحافة الجميل المليء بالمفاجآت والمستجدات والتطورات، لتصبح سنوات الدراسة في الجامعة، مرحلة أخرى لاحتضان ما كنا نصبو إليه، بعد أن تميز أبناء الوطن الحالمون بمستقبل مشرق، مبكراً في صدر صفحات «الخليج».
تلك تجربة ربما تركت في نفسي أثراً عميقاً في تلك السنوات، حينما أمدَّت طفولتي الإعلامية بالثقة اللازمة للإبحار في محيط الإعلام بسلام، كما هو حال الكثيرين ممن تتلمذوا في مدرسة المرحوم الإعلامية، وأصبحوا أسماءً وأقلاماً وأعلاماً بارزة، في مختلف مؤسسات الدولة.
تجربة كان حتماً على ذاكرتي استرجاعها لا إرادياً، بحكم الموقف العصيب الذي ألم بنا، وهو خبر وفاة الدكتور عبدالله عمران رحمه الله. إنها بعض مناقب الفقيد، فقيد العلم والفكر والعطاء، ولأنه الموت؛ أردت ذكر بعض محاسن ميتنا، وهي أكثر من أن تُذكر وتحصى، إنا لله وإنا إليه راجعون، والعوض من الله في شعبنا وفي وطننا الكبير المعطاء.