تبدو الحركة عادية وطبيعية في محلات الصرافة التي من الممكن أن يرتادها المرء خلال سفره، في أي دولة، عربية كانت أم أجنبية، إلا محلات الصرافة عندنا، إذ تشهد زحاما غير طبيعي على مدار ساعات عملها التي تتواصل منذ الصباح وتمتد حتى المساء دون توقف. ورغم الزحام الشديد وطوابير الانتظار على شبابيكها، تستغرق مدة الانتظار لاستلام ورقة الايصال بعد الدفع ما لا يقل عن 45 دقيقة في بعض هذه المحلات.
ونظرة سريعة على المتعاملين مع هذه المحلات والمترددين عليها وإجراءات الحوالة الضخمة، كافية لأن تصيب الإنسان بالصدمة من كم الأموال التي تحول إلى الخارج في كل دقيقة، بلا رقابة صارمة ولا قيود، بخلاف بيانات المرسلة إليه الأموال وصورة بطاقة هوية المرسل ورسوم الحوالة، وبعضها بدون هذه الرسوم. حجم هذه الحوالات الضخمة التي فاقت 45 مليار درهم العام الماضي،.
وشهدت زيادة خلال الأشهر الفائتة من العام الحالي، يرى البعض فيه استنزافا للموارد الاقتصادية لأي بلد، وفي الوقت ذاته يرى البعض أنه من الظلم أن نطالب العمالة بصرف راتبها بالكامل، فمن حق الباحث عن العمل والمال أن يرسل المال لأهله وذويه في وطنه، وإلا فما مبرر الاغتراب والبحث عن فرص أفضل للعيش؟ وبالتالي لا مجال لحرمانه من هذا الحق.
حتما لا خلاف على هذا الحق، لكن ليست كل الحوالات البنكية عبارة عن رواتب صغار العمال، بل هناك ملايين ترحل بلا عودة وينبغي أن يكون خروجها بضرائب تحكمها وقيود تضبط هذا الخروج.
أذكر هنا موقفا كان من أحد العمال الآسيويين الذي جلس يبكي على سنوات عمله في دولة مجاورة غير عربية، وكم الأموال التي كان يوفرها رغم أن دخله لم يكن يتجاوز آنذاك 400 أو 500 درهم، أما هنا وعلى الرغم من أنه يكسب الآلاف فإنه لا يستطيع توفير الكثير كما كان.. سألته؛ وما الذي دفعك للعيش هنا وأنت غير راض ولا تستطيع تحقيق طموحاتك؟ أجاب أن السبب هو القيود الكبيرة التي تفرضها تلك الدولة على حوالات الأجانب، في حين أنها هنا محررة من تلك القيود وسهلة يستطيع المرء أن يرسل ما يشاء إلى وطنه، حتى وإن لم تكن إقامته قانونية، إن لم يكن باسمه فباسم غيره من الأصدقاء.
ربما كان على السلطات ابتكار سبل ووسائل تشجع الأجانب على الإنفاق والاستثمار في الداخل، بدلا من تحويلها إلى الخارج.