«كازاخستان التي رأيت».. عبارة قالها الدكتور حمدان بن مسلم المزروعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أثناء وجودنا في الطائرة في طريق العودة إلى البلاد، بعيد المشاركة في افتتاح مسجد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في مدينة «شيمكنت» في جمهورية كازاخستان.. حينها، أدركتُ أن ما دار في رأسي هو ما خطر في باله، وربما الآخرين كذلك.
لا عجب في ذلك، فليس من سمع من بعيد كمن رأى بعينيه وسمع عن قرب. أما المدينة «شيمكنت»، فهي ضمن جمهورية شاسعة تضم 15 مليون شخص، رزحوا لعشرات السنوات تحت الحكم الشيوعي، مُورست عليهم العنصرية بأبشع صورها، فلا دين ولا مسجد ولا صلاة.. دُمّرت المساجد، وأتلفت الكتب ومُنع الجميع من أداء شعائر دينهم، ومجرد وجود المصحف الشريف في البيت كان يعد جرماً.
هناك في كازاخستان، مَنْ كان في بيته مصحف، يأخذه إلى الحقول والبساتين، ويدفنه تحت التراب بعيداً عن البيت، وإن أراد قراءة القرآن الكريم قطع مسافات شاسعة من أجل أن يقرأ منه ثم يعيده إلى مخبئه، وإن وقع هذا المصحف في أيدي عناصر النظام، أنكر الجميع صلتهم به. وهكذا عاش هذا الشعب يمارس شعائره في الخفاء، لا يجرؤ على البوح بما في نفسه أو حتى أن يجاهر بالصلاة.
ومع إعلان كازاخستان استقلالها في ديسمبر 1991، واجهت الدولة حالة فريدة من الحنين إلى الجذور الإسلامية المتأصلة لدى الشعب، تمثلت في إعادة فتح المساجد وترميمها وإحياء الشعائر الإسلامية، والحج إلى بيت الله الحرام، وإرسال الطلبة للدراسة في الجامعات الإسلامية لإعداد الدعاة، في محاولات لإعادة إحياء دين الإسلام، لتعبئة النقص الأيديولوجي الذي خلّفه رحيل الاشتراكية.
هنا تكمن أهمية إقامة مثل هذه المشاريع، لإعانة هذا الشعب المسلم على أن يعود إلى جذوره، ليس فقط لأداء الشعائر، بل لتلبية شغفه بتعلم أصول الدين، من خلال المرافق المهمة الملحقة بهذا المسجد، الذي سيؤدي أدواراً كثيرة في نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة في هذا الإقليم وما جاوره.
أمام هذا الواقع الجميل، نحسب أن أمانة أخرى ستبقى على عاتق مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية، تتمحور في هذا الجانب المهم، في الدور المفصلي للمسجد، وقد اكتملت بنيته التحتية ومرافقه المتكاملة، وظهر حجم الإقبال الكبير من الصغار والكبار، الذين جاءوا ليرووا عطشاً امتد لسنوات، برز جلياً وهم لا يريدون ترك أعضاء الوفد الإماراتي، وكأنهم وجدوا فيهم مأرباً ونبراساً يهدي إلى ما يتوقون إليه.