في الحديث عن تسوية ديون المتعثرين التي أمر بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في ديسمبر الماضي، وشكل لذلك لجنة تتابع حل المشكل مع الجهات المعنية، خلصت أخيراً إلى حفظ 290 قضية من قضايا شيكات الضمان في النيابة العامة في أبوظبي، والتي كانت بمثابة سيف تسلطه البنوك على رقاب المدينين، والورقة الرابحة التي تستخدمها لتقديم بلاغ ضد من تعثر في وسط الطريق أو قبل الانتهاء من السداد، ويواجهون القضاء بالمبلغ الإجمالي الذي كانوا قد اقترضوه وليس ما تبقى منه.

في الحديث عن تسوية الديون المتعثرة، يتداول الناس أحاديث أخرى حول آلية السداد، وقبل ذلك عن الحجم الحقيقي للقروض الشخصية وعدد المقترضين والمديونين، فالمحبوسون على ذمة قضايا مالية أو من صدرت في حقهم أحكام قضائية، معروفون من واقع ملفات القضاء والشرطة، ومن أوشك على ذلك فبوسعه أيضاً أن يقدم ما يثبت ذلك، ويدخل في قائمة من يستحق تسوية ديونه ويتجنب الدخول في إشكاليات إن بدأت لم تنته.

لكن الملاحظ هو تعدد الأرقام التي تتحدث عن الحجم الحقيقي للمديونيات، بفوارق كبيرة، فبين قائل إن القروض الشخصية تبلغ 67 مليار دولار، إلى رقم آخر هو 695 مليار درهم، إلى ثالث يبلغ 70 مليار درهم إلى رابع بـ260 مليار درهم، ومثله حتماً يضيع رقم الإماراتيين المديونين للبنوك، فمن قائل إن نسبتهم تبلغ 90% من إجمالي المواطنين، إلى آخر يقول إن العدد يقدر بـ250 ألفاً، وأرقام أخرى.. تبقى الحقيقة ضائعة بين كل ما يطرح وما يعلن، بعد أن كان الرقم واضحاً في العام 2000، إذ كان حجم الديون هو 2.155 مليار درهم.

تفاوت الأرقام وتباينها يعني أن البنوك لم تعلن صراحة عما لديها، ولم تقدم الرقم الصحيح لأعداد المواطنين الواقعين بين فكيها، مع عدم وضوح دور الجهاز الرقابي للمصرف المركزي الذي يبدو أنه لم يتمكن حتى الآن من الوقوف في صف المواطنين ولم يشمر عن ساعديه كما فعل إبان الأزمة المالية التي عصفت بالبنوك على مستوى العالم.

فأي حل لأي مشكلة لا قاعدة بيانات مركزية لها لن يؤدي إلى المأمول، وبهذا تهدر جهود ووقت كان من الممكن أن يختصرا لو كانت البيانات والأرقام الصحيحة معروضة بشفافية أكثر.

نرى والبنوك آخذة في المماطلة، أن تعمل السلطات على إصدار لائحة تعليمات واضحة في شأن القروض شخصية كانت أم تجارية، بحيث يتم تعديل السقف الأعلى لقيمة القرض بما يتناسب ومستوى دخل الفرد، وتحديد نسبة الفائدة، فضلاً عن إلزام البنوك التي سهلت الاقتراض بلا هوادة، بتحمل نتائج وضع تسببت فيه. فكما كانت السبب في إغراق الأسر والشباب في ديون بلا ضمانات، فإن عليها أيضاً المساهمة في تقديم الحلول، وأن تبدأ صفحة جديدة في مسألة الاقتراض تخضع لضوابط وشروط، ولا يكون الاقتراض من البنك أسهل من شربة ماء.