في معظم المجالات وفي مختلف التخصصات، تحتاج الكثير من مؤسسات الدولة ودوائرها إلى خبراء ليديروا دفة العمل فيها ويضعوا خططها الاستراتيجية ويكونوا "الدينامو" الذي يقود العمل ويمهد الطريق أمام المسؤولين ليسيروا فيه، ومستشارين مخلصين لهم.

 لكن الملاحظ، وعلى الرغم من تخرج الآلاف من أبناء وبنات الوطن في تخصصات مختلفة، أن بعض الوزارات والدوائر الحكومية لا تزال تعتمد على غيرهم، ولا يزال المواطنون خارج هذه الدائرة أو تلك، ونرى أن معظم الاستشاريين والخبراء هم من غير المواطنين. أما الخبراء المواطنون فإما أن يعملوا تحت إمرة الخبير الأجنبي وإن كان أقل منهم خبرة، أو يختار التقاعد وتخسر مؤسسات الدولة خبرات وطنية تستحق أن تكون في وضع أفضل.

الموضوع سبق أن أشبعناه طرحا طولا وعرضا، ولطالما طالبنا بالالتفات إلى هذا الأمر، ووقف هذا الهدر في خبرات كبيرة، ووقف التفريط في سواعد وكفاءات وطنية فيما تفتح الابواب أمام غيرهم وسط غبن كبير يشعرون به، ولكن مع الأسف لا جديد في هذا الشأن، والنتيجة تنامي حالة الاحتقان من هذه المشكلة التي اتسعت دائرتها أكثر من اللازم، وآن الأوان لقرار يسدها ويوقف هذا النزف.

ولعل الغضب الذي يشعر به الموظفون في بعض الوزارات من قرارات مصيرية لا تنصفهم وتقف في صف غير المواطن، مبعثه ـ من وجهة نظرهم - أن واضعي هذه القرارات هم من غير المواطنين، وبالتالي تأتي لصالح الموظف غير المواطن وتحرم الأخير من امتيازات وعلاوات، ليجد في النهاية نفسه يتقاضى أقل من الموظف الأجنبي.

كما حدث في الزيادة الأخيرة في رواتب الموظفين حين فوجئ الأطباء الاستشاريون المواطنون الذين زادت رواتبهم بنسبة 100%، أن الأطباء الاستشاريين الأجانب زادت رواتبهم 372%، ورأوا في ذلك ظلما كبيرا وقع عليهم، ورغم مرور أشهر على ذلك، فإنهم لا يكفون عن الحديث عن هذا الشيء.

وقس على هذا قرارات كثيرة هنا وهناك لا تخدم الموظف المواطن، وحتى الوظائف التي كانت في ما مضى مقتصرة على المواطنين، لم تعد كذلك وأصبح غيرهم يشغلها، هذا بخلاف الموظفين الأجانب الذين يسيطرون على وظائف بعينها منذ سنوات تزيد على أكثر من 30 عاما، يعملون اليوم كاستشاريين فيها ويمثلون الدولة في مؤتمرات خارجية، خاصة تلك التي تعقد في أوطانهم، وأصبحوا مستشارين لأكثر من وزارة، وآلاف المواطنين في ذات التخصص ينظرون بأسى إلى فرص تأبى أن تطرق بابهم أو تفسح المجال أمامهم.

نتطلع إلى قرار يعيد الأمور في هذا الصدد إلى نصابها، ويحفظ للموظف المواطن حقه، وينظم التوظيف في المؤسسات الاتحادية وكذلك المحلية.. ولعلها مناسبة للمطالبة بقرار تأهيل مستشارين وخبراء في مختلف المجالات بإيفادهم إلى الخارج، طالما لم يكن البعض مقتنعا بالخبرات الموجودة.