منذ ساعات الصباح الأولى، وطوال ساعات النهار، وحتى مغيب الشمس، لا تنقطع أصوات العصافير والبلابل وأشكال الطيور الجميلة التي تحل ضيوفاً كراماً على شرفات غرفنا والنوافذ والأشجار في حدائق بيوتنا، بل وعلى الرحب والسعة في ساحاتها تلتقط ما رزقها رب السماوات، أو ليس هو من قال عز وجل في محكم آياته «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ».


طيور تهدينا أجمل ما لديها، دون أن تتنظر مقابل ما تمنح، تدخل البهجة إلى النفوس، ويسر النظر بحركاتها الرشيقة وهي تنتقل من غصن إلى آخر، تطير من الشرق وتحط في الغرب، يزيد وجودها هذه الأيام، فتحيل حرارة الجو نسيماً عليلاً لا يقوى المرء في حضرة هذا الجمال الرباني سوى أن يتخذ له عصر كل يوم مكاناً بين الطبيعة، يلتقط حبات الرطب من هذه النخلة.

ويتفقد أعذاق تلك النخلة، يتأكد من أن ثمرات الليمون والرمان واللوز الذي لم نعد نراه كثيراً كلها بخير، ويطمئن إلى أن كل شجرة ونبتة قد نالت كفايتها من الماء، وأن ليس هناك من يشكو الظمأ أو قلة الارتواء، ومن لديه مسبح داخلي، فالغطس في مياهه متعة كبيرة.


وخاسر بالطبع من يرفض مفارقة أجواء التكييف، ويحبس نفسه طوال ساعات النهار في الأماكن المغلقة وسط كم الأجهزة ووسائل التقنية التي لها مضارها، كما لها فوائدها، ويحرم نفسه جمال الصيف ومتعة ما يضفيه على حياتنا.


ولعل أجمل ما في أشهر الصيف، هو إحساسنا بمن حولنا من بقية الكائنات، وما الحملات الإنسانية الخيرة التي تطلقها جهات عدة، وما المبادرات الفردية أو الجماعية التي يقوم بها الناس في إرواء ظمأ العمال في الطرقات والأحياء، سوى صور من الإحساس الجميل بالآخرين الذين قدر لهم أن يكون عملهم في الهواء.


وجميل أيضاً من لم يفكر في الكائنات الجميلة من حوله أن يبادر إلى ملء إناء بالماء يضعه في أي مكان، فلا شك أن طائراً أو هراً سيقف عنده وسيروي عطشه، يحمد الله ويشكره، وثوابه لن يضل طريقه إلى من كان السبب في راحته.