أكثر ما يزعج سكان أي مدينة أينما كان موقعها، هو تكرار الحوادث بمختلف أنواعها، ولعل حوادث الحريق التي تأتي على العمارة بأكملها وتلتهم النيران طوابقها المتعددة في دقائق معدودة، كانت من أسوأ ما يواجهونه، فتأثيرها لا يقتصر على سكان العمارة ومن يجاورها فقط، بل يمتد لأبعد من ذلك بكثير، فأضرارها تصل للقريب والبعيد.

لكن يبقى سؤال كثيراً ما تردده الألسن، عند وقوع حوادث الحريق هذه وتطاير مواد مختلفة من العمارة التي تبدو وكأنها مبنية من ورق مقوى أو بلاستيك، عن المواد الأساسية التي دخلت في تشييد هذه العمارة، وإن كانت مطابقة لمواصفات الأمن والسلامة؟

نعلم أن السلطات المعنية في كل الإمارات تتشدد كثيراً في التصريح للمواد التي تدخل في البناء، ولا توافق إلا على ما يؤمن سلامة البنيان ويحفظ لساكنيه الحماية. إذاً، ما خطب العمارات هذه التي يكفيها عقب سيجارة يسقط من إحدى الشرفات، لينهي من الوجود عمارة تزيد طوابقها على العشرين، وحريق يأتي عليها ويحيلها رماداً؟

حينما يقدم على بناء فيلا لأسرة واحدة، يكتشف كم الإجراءات التي يجب على المقاول أن يتخذها في ما يتعلق بالوقاية والحماية، ويتشدد الاستشاري في الالتزام بكل الشروط التي تفرضها السلطات والمواد التي تحددها، بدءاً من وضع الأساس وانتهاء بمفتاح الكهرباء، وهي من الأمور التي تشعر مالك العقار بالأمان فيطمئن إلى أن كل شيء يسير وفق ما تفرضه السلطات المعنية، ولا يساوره أي شك في صلاحية ما يدخله المقاول من مواد مغشوشة في بناء منزله.

كل هذه الشروط تفرضها السلطات المختصة على بناء منزل، فما بالنا بعمارات تضم عشرات الطوابق، وكل طابق فيه العديد من الشقق التي تسكنها أسر من حقها أن تعيش بأمان وطمأنينة، لا أن تستيقظ على حريق هائل لا يمهلها حتى الخروج والنزول إلى الشارع إنقاذاً لحياة أفرادها.

حرائق البنايات أصبحت مرعبة بما تحمله الكلمة من معان، وآن الأوان لأن تراجع السلطات المعنية أوضاعها، وأن تمهل أصحابها وقتاً لتعديل وتغيير المواد غير الصالحة للبناء والتي لا تقاوم الحريق، بأخرى تكون أكثر قوة وصلابة، وأن تتشدد أكثر في منح تراخيص البناء وتراقب جودة المواد المستخدمة، فمرد أكثر هذه الحوادث هو الغش والفساد.