بنظرة على مناصب في الحكومة الاتحادية، وكذلك في بعض الدوائر المحلية، يلاحظ وجود أسماء "لصقت" لصقاً بالكراسي، حتى أصبحت في حاجة إلى مباضع أكثر الجراحين كفاءة وأمهرهم، لتفصل بين الكراسي ومن يشغلها، حيث مضى على بقاء بعضهم في المنصب أربعون عاماً، ومنهم من أصبح يرى نفسه مالك المؤسسة ومن فيها، ويزيد الطين بلة إذا كانت المؤسسة ذات صلة بمتعاملين ومراجعين من خارج العاملين فيها.
هذا البقاء جعل هذه الوظائف مترهلة وثقيلة، تؤخر ولا تقدم، ترسخت فيها عقد تضر بيئة العمل ومن يتعامل معها، وجعلت من يعتلون هذه المناصب وكأنهم مؤلهون فيها، وليس لأحد الاقتراب منها أو قول شيء في حقها.. هذه الكراسي آن الأوان لأن تتم زلزلتها واستبدال من يشغلها بآخرين، فالساحة في كل قطاع وفي جميع التخصصات مليئة بالكوادر الوطنية والكفاءات التي اكتسبت من الخبرات الكثير، وتستحق أن تأخذ دورها وأن يفسح لها المجال لكي تنتج، وأن يزال من أمامها حاجز ترهل ولم يعد في وسعه أن يعطي شيئا في المنصب الذي يشغله، ولربما كان الأحرى بهؤلاء أن يوجدوا في صفوف خلفية من أجل المشورة والرأي، ليس أكثر.
من الأجدر بالطبع أن يكون المرء من تلقاء نفسه زاهداً في المنصب والوظيفة، بعد سنوات من العمل ربما كان عطاؤه فيها جميلًا، وأن يترك المجال لغيره من الأجيال التي تعقبه، ويولي من يتوسم فيه الجدارة والكفاءة والتميز والإبداع أمر إدارة المؤسسة، لا أن يوصد الأبواب أمام من يحاول طرقه، ويوهم نفسه أنه الأوحد الذي لا يشق له غبار، وأنه لا مثيل له ويحظى بثقة المسؤول الأكبر منه الذي لا يريده أن يغادر المنصب، ويبقى أسير هذا الوهم ويحيا فيه متقوقعاً.
ولكن طالما أن الواقع قليلاً بل نادراً ما يجود بالزاهدين في المناصب والأضواء والسلطة والنفوذ، ومن يذهب من تلقاء نفسه يكون بفعل ظرف يتعرض له قد يكون صحياً أو غير ذلك، فلا حل سوى قرارات تعيد الحيوية إلى بعض المؤسسات التي ترهلت بترهل من يديرها، وأصبح أداؤها عقيماً، وإن كان كل شيء فيها يسير وفق أزرار وتقنيات حديثة، فالأساس في العمل هو الفكر الذي يحكمه والثقافة المنتشرة بين العاملين فيه، والتي بطبيعة الحال تستمد من قمة أعلى الهرم ومن يليه بعد ذلك.