انتسبت ابنتي فاطمة التي تعاني شللا دماغيا، لمراكز الرعاية الخاصة لمدة أربع سنوات، حظيت فيها برعاية طبية فائقة وعلاج طبيعي متميز، ومارست أنشطة راقية كالفروسية والسباحة، مما أدى إلى استطاعتها المشي باستخدام الووكر أو العكازات لمسافات طويلة، وحظيت بتعليم أكاديمي متميز، إلا أن تلك المراكز لم تقدم لها الشهادة التعليمية، فاضطررت إلى القبول بالدمج لتحصل ابنتي على شهادة مدرسية وتتعلم لتعمل مستقبلا.
وفي مشوار البحث عن مدرسة تقبل بها بعد أن امتحنتها وزارة التربية امتحانات في اللغة العربية والرياضيات واللغة الانجليزية ووجدت أن مستواها يصل للصف الثالث الأساسي، إلا أنها رفضت ترفيعها لعدم وجود ذاك النظام، مع اشتراط أن أوفر لها مرافقة تصحبها بشكل يومي إلى المدرسة، وكان ذلك عبئا ماديا يفرض علينا كأسر لطلبة معاقين يرغبون تعليم أبنائهم.
قمت بزيارة المدرسة الأقرب إلى بيتي، فرفضت مديرتها تواجد المرافقة التي اشترطتها الوزارة لقبول ابنتي، بحجة أن الطالبات سيساعدنها، وتساءلت بيني وبين نفسي كيف لطالبات الفصل الأول واللاتي هن بحاجة لمن يساعدهن أن يحملن حقيبة ابنتي وحملهن ينوء بحقيبتهن الثقيلة، وكيف سيساعدنها في تخطي درجات السلم في طريقها ووو.. ففكرت في مدرسة أخرى درست فيها بناتي الأخريات ومديرتها إنسانة راقية حقا، وحين أخبرتها عن وضع ابنتي، قالت: المدرسة مدرستها والتعليم حق لها، وسأساعدها بكل إمكاناتي..
وبدأ مشوار ابنتي الدراسي في تلك المدرسة الراقية لثلاث سنوات كانت فيها الأولى، وحين وصلت للصف الرابع، صدمنا واقع أن المختبرات في الدور العلوي ومن المستحيل نقل أحدها إلى الأسفل، الحل الأول كان نقل ابنتي لمدرسة مبناها مهيأ لاستقبالها كون المرفقات في الدور السفلي. ولم تكن هناك إلا مدرسة نموذجية، حين استقبلتني المديرة وتحدثت معها، لم تترك عقبة إلا ووضعتها أمامي، ومنها أن "الفصول صغيرة ولن تستطيع ابنتك دخولها بالكرسي المتحرك"، ولم تكلف نفسها عناء السؤال عن وضع ابنتي التي لا تستخدم الكرسي المتحرك في الصف! ومن الحجج أيضا قد تسخر منها البنات وقد تصاب ابنتك باكتئاب إذا شاهدت الطالبات في حوض السباحة، وقد لا أقبلها لعدم توفر شاغر، ووو..
الحقيقة أني كنت أبحث عمن يستطيع تحمل المسؤولية دون تردد، ويتخذ قرار قبولها بشجاعة، ففاطمة تستحق وغيرها ممن في وضعها يستحق، والوزارة أوجدت قانون قبولهن، فلم تمتلك المديرات قرار الرفض أو القبول؟ ولماذا نتعرض كأولياء أمور طلبة معاقين لمثل تلك المواقف، وكأننا نعاقب على أمر قدره الله علينا ليختبر صبرنا وجلدنا؟!
وغداً نكمل..