لا نملك سوى الدعاء بالرحمة والمغفرة لأرواح تضيع تحت عجلات السيارات والحافلات المدرسية، والصبر والسلوان لأسر تفقد فلذات أكبادها في عمر الزهور، ونترحم على أيام خلت كنا نستقل فيها حافلات عملاقة تصدر صوتا مميزا تغطي على صرخاتنا التي كانت تملأ (الفريج) إيذانا بعودة الشقاوة والصخب إليه، بعد ساعات الهدوء كان الأولاد والبنات في مدارسهم وكأنهم تركوا الحي لساعات لزيارات النساء وتناول الفطور معا، تليه تناول قهوة الصباح التي لا يحلو لهن مذاقها إلا في «لمة الصباح» يصبح بعدها (الفريج) مباحا لأنواع الشقاوة واللعب.
وفي صورة لا أظن أنها غائبة عن جيل السبعينات ونهاية الستينات كان لسائق الحافلة المدرسية مقام ومقال، هو بطبيعة الحال واحد منا وفينا ويحظى باحترام كبير من الجميع لا ترد له كلمة، وأوامره مطاعة عند الصغار، وأما الجدات فلهن حكاية أخرى تبدأ باستقباله عند الباب بدلة القهوة تناول الفنجان لأحدهم فيرشف قهوتها اللذيذة ويسعد بدعاء خالص نابع من القلب يدعو لمن في الحافلة بسلامة الوصول.
نتذكر كيف كانوا يفتحون باب الباص بأيديهم عن طريق المقبض اليدوي يمين السائق يستقبلوننا بابتسامة ونصيحة، وإذا غبنا كانوا أول السائلين عنا، لم يكن السائق مجرد شخص يؤدي واجبا وظيفيا في توصيل أشخاص لا علاقة له بهم، ولم يكن أداؤه آليا بلا روح ولا ود يجمع بينه وبين هؤلاء الصغار، بل كانوا كأولياء أمور من بعده يتكامل الدور بوجود حراس البوابات من المواطنين وحتى عمال وعاملات النظافة والمراسلين والمراسلات والبائعات في المقصف المدرسي كانوا جزءا منا.
نتذكر بكل حب كيف كانوا يحرسون بوابات المدارس بعصيهم الجميلة ولحاقهم بالطلاب وهم يتخطون أسوار وجدران المدارس، نتذكر أيديهم وهي تحمل لنا التغذية بها التفاح أو الموز وسندويتش الجبن وقطعة شيكولاتة بغطاء احمر، نتذكر مرورهم على الصفوف وهم يحملون كشوفات الحضور للحصول على توقيع المعلم على الكشف، نتذكرهم وهم في المقصف يبيعون لنا المشروبات الغازية الكراش والماليتا والكريم صودا، كانوا كبارا في السن وعطاؤهم أيضا كان كبيرا كنا نحبهم لأننا نشم فيهم رائحة آبائنا، لا نخاف منهم لأنهم منا، اليوم لم يعد من كل ذلك سوى ذكريات نرويها للأبناء.
لا ينقصنا اليوم كوادر وكفاءات في مقدورها أن تحيل الحلم واقعا وأن تعيد ذلك الزمن الجميل فالآلاف من المتقاعدين ينتظرون فرصا جديدة تفتح أمامهم آفاق العمل والخدمة، ونحن على يقين أنه ليس هناك من هو أقدر منهم وأكثر إخلاصا على أداء أمانة ثقيلة.