كان شاباً مملوءاً بالحيوية والنشاط، مقبلاً على الحياة بكل ما فيها، لم يرتكب أي ذنب سوى حظه العاثر الذي أوقعه في طريق شاب آخر متهور أو طائش، لم يتقيد بنظام السير، لا ندري بالضبط ماذا نسميه، كان يسير بسرعة عالية، وكانت عيناه مشغولتين بجهاز البلاك بيري، وفي غفلة لم تدم أكثر من لحظة، صدم السيارة التي كانت تسير أمامه، وأزهق روحاً بريئة بلا ذنب أصبح صاحبها حديث مجلس العزاء. لا يملك من يسمع بالأمر سوى الترحم على المتوفى، وطلب المغفرة لمن تسبب في وفاته، ودعوة الأبناء إلى وقف الانشغال عن السياقة بما دونها.

مثل ذلك يتحدث أحد الآباء، يقول عن نفسه «لست معتاداً على الحديث في الهاتف أثناء قيادة السيارة، ولا أحب أن أنشغل بأي شيء ولا أحب السرعة، لكن لا أدري ماذا حصل معي ذات يوم حين تلقيت رسالة نصية من أحد الأصدقاء، وودت الرد عليها، وكان بيني وبين السيارة التي تسير أمامي (شعرة)، وأحسست أني أوشكت على الموت أو على الأقل وقوع كارثة تفاديتها في اللحظة الأخيرة، وأقسمت بأغلظ الأيمان ألا ألمس الهاتف أثناء قيادة السيارة».

مثل هذا وذاك، كم من الحوادث المرورية التي كان هذا الجهاز الصغير السبب الرئيسي في وقوعها؟ وكم من أرواح راحت ضحية لها نتيجة عدم الالتزام بقواعد السير وقيادة السيارات؟ وكم هي الأرواح التي زهقت بلا ذنب؟!

هؤلاء ممن لم تُفد معهم حملات التوعية ولم يحرك فيهم «لا تتصل حتى تصل» ساكناً، لا بد من عقوبات صارمة تتناسب مع حجم ما تخلفه أفعالهم من مآسٍ وأضرار تتجاوز حدود الغرامة المالية، وتفوق ما يفعله رجال الشرطة هذه الأيام على الميادين ونقاط التوقف، من تسجيل أرقام سيارات يضع سائقوها أيديهم على خدودهم باعتبارهم يتحدثون في الهواتف، بغض النظر إن كان بالفعل في يده هاتف أم كان سارحاً ويده على خده، وتوقيع مخالفات غيابية في حقهم.

نريد ما يردع، وأن تكون أداة الردع حضورياً لا غيابياً، فمن غير المعقول أن ينزل كل جديد من وسائل النقل والاتصال وبالاً على الشباب بأيدهم، وفي لحظة طيش أو تهور، سموها ما شئتم، يوقعون بأنفسهم في التهلكة.