يوم أمس مررت بثلاثة «بنوك» لمعاملات بنكية بسيطة لا تستحق الذكر، لكن في كل بنك من البنوك وجدت ما استرعى انتباهي، وأود مشاركة قراء هذه الزاوية فيه، ربما يراها البعض أمورا طبيعية لكنها شدتني..أول بنك، وسأذكره ليس من باب الدعاية لأنه بنك ذو سمعة طيبة، لكن ما يهمنا هو المشهد الجميل، فلأول مرة أدخل بنكا يفوق فيه عدد العاملين الإماراتيين من الجنسين غيرهم من الجنسيات الأخرى، كما هو حال كل مؤسسات القطاع الخاص بكل فئاته ومجالاته.

سرني الموقف فأردت التعرف على ما يجري أكثر في مصرف الإمارات الإسلامي في عجمان، وما سر هذه الغلبة لأبناء الوطن في مشهد يستحق أن نقول إنه استثنائي.

فالتقيت في الأرجاء بالشابة ثائرة تريم مديرة الفرع، وهي تبدي سعادة بالغة بما يحققه الإماراتيون من نجاحات في هذا القطاع الذي بقي لسنوات حكرا على غيرهم. وضمن ما قالته ثائرة في موضوع التوطين، أن الأمر ليس أكثر من قناعة المسؤول بأهمية فسح المجال أمام عشرات الخريجين من هناك.

وحيث إن السبت هو يوم المشاوير المؤجلة، توجهت لإنهاء معاملة كانت أيضا بنكية، من المدخل تركت كل الموظفين الموجودين، وبلا تفكير أخذتني قدماي وقبلهما قلبي صوب موظفات يرتدين الشيلة والعباءة، بادرت بالسلام فإذا بهن يهززن رؤوسهن قائلات: «أربي ما في».. أي لا نتحدث العربية! فلم يكن سوى آسيويات زيّن بالزي الوطني، وهي ليست أكثر من محاولة ذر للرماد في العيون.

أما البنك الثالث، أو بالأحرى المشهد الثالث، فكان في بنك دبي الإمارات الوطني في الشارقة، وكانت الساعة قد قاربت الواحدة ظهرا.. لا مواقف سوى في الخلف، الحرارة كانت 40 درجة مئوية، مدخل البنك وصالة الانتظار يعجان بالعملاء ذكورا وإناثا من كل الجنسيات.. سألت أحد الموظفين ألا يوجد شباك مخصص للنساء؟ فأجاب: تحدثي إلى «حامد»، وأشار بيديه إلى كم الصرافين.

اقتربت من موظفة: «لو سمحتِ أين حامد؟»، أجأبت: غير موجود.. حسنا أين يجلس؟ قالت بضجر: لا مكان له ستجديه هنا أو هناك. أسلوبها لم يشجعني على المزيد، وحمدت الله أن «حامدا» ظهر فجأة وخلصني من موقف حسبته محرجا. لكن، من حامد هذا؟ إنه شاب صغير يتكلم بصعوبة ويعاني إعاقة في أطرافه، لكنه يحمل قلبا ترى صفاءه ونقاءه من خلال ابتسامة لا تفارق وجهه.

أجلسني وعاد بعد أقل من دقيقتين وقد أنجز طلبي، وقال: الجو شديد الحرارة في الخارج، قلت: نعم، وما زاد علي المشقة هو بُعد مواقف السيارات.

قال: إن شئتِ ذهبت وأحضرت سيارتي. شكرته على ذوقه، وفتح الباب الخارجي الذي كان قريبا من المواقف خطوات كانت مناسبة لدردشة سريعة، عرفت منها أنه سعيد بعمله حيث يعمل نهارا، ويدرس في المساء ووصل إلى المرحلة الثانوية. ولعل أجمل ما في هذا اللقاء، كانت تلك الابتسامة التي ودعني بها حين أخبرته بأني في صحيفة «البيان»، ووعدت بتلبية طلبه واستضافته على صفحاتها..