أي زيارة إلى إمارة أم القيوين لابد أن تقود زائرها إلى الحي القديم الذي يسميه المواطنون أم القيوين «القديمة» حيث كان الأهالي يتمركزون فيها، كما هو الحال في بقية الإمارات، وكانت مجرد بقعة صغيرة المساحة، قبل أن تتسع المدن وتتباعد المسافات.
فجمال زيارة الإمارة لا يكتمل، إلا بتفقد معالمها القديمة، وهي زيارة تثير في ذات الوقت شجنا كبيرا في النفس، وتعيد لمن عاش «أيام أول» ذكريات محفورة في الذاكرة كالنقوش المسمارية، ولا يمكن أن تندثر مهما طال الزمن!
وإن حاولنا أن نرسم ملامح الحي القديم فيها ولا يختلف كثيرا عن غيره في إمارة أخرى من إماراتنا، لكن ما يدعو للتساؤل ويجعل الزائر يقف مطولا ويمعن النظر في كل زوايا المباني الأثرية الموجودة هناك، أنها أصبحت على وشك الاندثار بفعل الزمن، وبسبب التجاهل والإهمال، وربما بما يفعله البعض من أعمال إنشائية إضافية تؤثر على المباني الأثرية المبنية بمواد وأدوات بسيطة تعبر عن بساطة المجتمع آنذاك الذي كان يعتمد في مواد البناء على المواد التي توفرها البيئة البحرية والزراعية.
البيوت التي تروي حكايات كان أبطالها أناس تحدوا الطبيعة بما فيها من جمال وقسوة، وكان لكل منهم تأثيره على إرادة الإنسان هناك، وجعلت منه قوة تقهر الصعاب وتقف في وجه ما حملت له الأيام، تقدم للرائي تاريخا حافلا بمسيرات حققت نجاحا في شجرة وارفة تقطف الأجيال اليوم ثمارها حلوةً، ما كان ليكون لو لم يقف وراءه «بيدار» أحسن الصنيع.
من حق الأبناء اليوم أن يعايشوا تاريخ وطنهم، ومن واجبنا وواجب الجهات المعنية، أن تمتد يد العناية للحفاظ على الآثار وصونها من البلى، حتى نربط بين الواقع الحالي والماضي، ومن واجبنا كآباء أن نعمل على حفظ هذا الإرث الأصيل قبل أن يندثر وأن نعمل على ترميم هذه المباني قبل أن نفقدها، ونعلن نهايتها، وتتساوى مع الأرض التي وقفت عليها لسنوات ولم تعد قادرة على تحمل جفاء ساكنيها وقد هجروها وغادروها إلى فلل كبيرة بها من الاسمنت والحديد الكثير.
البيوت والدكاكين التي لا تزال بأبوابها الخشبية الموصدة بأقفال حديدية كبيرة تقف شامخة في سكيك ضيقة تنتظر من يعيد إليها الحياة.
ترميم أم القيوين القديمة مسؤولية الجميع فهي جزء من ماضي هذا المجتمع الذي فقد الكثير من مبانيه الأثرية في جرينا نحو الحديث حتى لم يتبق من عهد الآباء والأجداد سوى القليل.