أن ترفرف السعادة على حياة الناس، وتكون جزءاً من تفاصيلها اليومية، فهذا يعني بالضرورة أن مسؤولاً ما نذر نفسه من أجل هذه الغاية، وبذل في سبيلها من وقته وجهده ما يفوق الواجب المطلوب، والمسؤولية الملقاة على عاتقه، وفي حال كان الناس تعساءً، فإن هذا يعني وجود خلل وتقصير.

نقول هذا الكلام، استهلالاً في الحديث عن بعض صنوف الغبن والتعاسة التي يتعرض لها بعض المواطنين، لأن مسؤولين صغاراً، لا يؤدون ما ألقي عليهم من أمانة، ولا يمارسون دورهم في خدمة الناس بإخلاص.

ففي مجال التوطين، كلما فتحنا صفحات الجرائد، أو استمعنا إلى برامج البث المباشر، خرج علينا مسؤول ما كي يتشدق بأنه فتح أبواب المناصب أمام الكوادر المواطنة من موظفي الصف الثاني والثالث، وبأنه مؤمن بالشباب وتغيير الدماء، ولكن حينما نختبر كلامه واقعياً، نكتشف أنه كان كما يقول إخواننا المصريون: ككلام الليل المدهون بزبدة فإذا طلع عليه النهار يذوب!

والمشكلة الحقيقية تكمن في أن صديقنا المتحدث المفوه اللبق، قد أدمن التصريحات البراقة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهو حينما يدلي بهكذا تصريحات، يمارس أقصى درجات التنكيل بالكوادر المواطنة الشابة، ويخنق أفكارها، فيفتر الحماس والدافعية إلى العمل والإنجاز، ومن ثم تخسر الدولة خسائر لا يمكن تعويضها. ومن هذا المسؤول إلى آخر، يعمل في مركز مرموق في جهة خدمية، ووظيفته تقتضي فتح أبوابه للناس، ولكنه لا يريد «عور الرأس» فلا يستقبلهم إلا حينما يروق له، وعندما يكون مزاجه رائقاً، فتضيع أوقات الناس ولا تنتهي مشكلاتهم، ولا يجدون من يرفع الظلم عنهم.

والأغرب من هذا المسؤول، مدير آخر كبير، لا يقابل موظفيه بالشهور، على الرغم من أن بعضهم لديه أفكار طموحة، ومشروعات مبتكرة ستساهم في تحسين أداء العمل، غير أن الأمر مرهون بمدى رضا السكرتيرة عن هذا الموظف أو ذاك، فإن كان خفيف الظل و«مهضوما» ستفتح له الأبواب، وإن كان جاداً متجهماً، فلن تجد توسلاته وصرخاته أذنا صاغية.

هذه وغيرها منغصات تنغص حياة المواطن، وترجع إلى أسباب فردية، أي إلى مدير أو مسؤول لا يؤدي أمانته، وهناك إلى جوارها، منغصات أخرى ترجع إلى الروتين والبيروقراطية والجمود الذي يتشبث به بعض المسؤولين، فيعذبون الناس وينكلون بهم وهم يعتقدون بأنهم يطبقون القانون.. فهل يجيز أي قانون، أن تتكدس الأسر المواطنة أمام أبواب مراكز الإسكان، بحثاً عن يد تنتشلهم من براثن العيش في شقة صغيرة من غرفتين فيما يزيد عدد أفرادها على 12 عضواً؟

أليس القهر والغبن يتجسدان في أبشع صورهما في عبارة: حينما يأتي الدور، وأليست الأولويات أهم من كلمة الدور البلهاء، ومن القانون الجامد.

أليس يكمن الظلم بعينه، في أن يضيع رب أسرة عمره بحثاً عن مأوى لائق، في حين تقام الاحتفالات الكرنفالية، لأن نسبة استخدام الأكياس البلاستيكية قد انخفضت، ألن ترتسم علامات الأسى والحزن على محيا هذا المسكين، الباحث عن حقه في المأوى اللائق، حينما يشاهد هذه الاحتفالات.

قد يقول قائل: إن الحفاظ على البيئة قضية مهمة وتتعلق بمبادئ التنمية المستدامة التي تطبقها الدولة، وهذه مقولة حق، ولكن ألا يقتضي فقه الأولويات، أن نفكر أولاً في أن تعيش كل أسرة مواطنة في «بيئة مناسبة» قبل أن نفكر في الأكياس البلاستيكية.

وبما أننا نتحدث عن البيئة، فلنواصل الحديث عنها، فهل من المقبول أن تضغط بعض البلديات على المواطنين، إلى درجة إلزامهم بسداد رسوم البنية التحتية لخدمات الصرف الصحي؟

وهل من اللائق أن المواطن بعدما يسدد رسوم هذه الخدمة صاغراً، يجد نفسه مثقلاً شهرياً، بما يسمى «رسوم خدمة» على الصرف الصحي، وهي رسوم تضاف إلى فواتير الكهرباء والماء؟

وأخيراً... هل هذه الرسوم قانونية، أم أنها بنات أفكار مسؤول ما، تفتق ذهنه عن عبقريات مدهشة، في ليلة حارة؟!