بعد جُمع الغضب والشهداء والقصاص والرحيل والدماء والثورة، التي ضربت الوطن العربي، مع نهاية العام الماضي، وحتى انقضاء ثلث العام الجاري، ووسط المعارك حامية الوطيس، التي تسري كالنار في قش مبلل بالكيروسين، وفي جحيم المشاهد التلفزيونية والأخبار التي تقطر دماً، تأتي نسائم الفرح من عاصمة الضباب، في جمعة الفرح، ومن أجواء العرس الملكي الأسطوري، للأمير ويليم وكايت ميدلتون.
فقد هرب الكثيرون من المشاهدين، من القنوات الإخبارية التي تلهث وراء الثوار، من جهة، ووراء رجال الحكومات العربية، والتي تبحث عن خبر عن فساد هذا النظام، أو ذاك، فتقيم عليه الحلقات والندوات وتستضيف المحللين والمفكرين، ممن أصبحوا كالوجبة الإجبارية، التي يقدمونها للمرضى في المستشفيات.
وليس بوسعهم أن يطلبوا تغييرها. ويبدو أن المتلقي العربي، قد أصيب بحالة من الضجر واليأس والحزن، من كثرة مشاهد الدم التي تدافعت عليه من كل حدب وصوب، فقرر الهروب بعض الشيء إلى أجواء الاحتفال، ومتابعة تصميم الفستان الذي ارتدته العروس، ونوعية الحلي والمجوهرات التي تزينت بها، والبروتوكول الإنجليزي الصارم الذي جعل كل شيء يأتي في وقته، وفي لحظته المناسبة.
وكغيري ممن أتعبتهم الأخبار والمشاهد التلفزيونية، التي تغرق في الدماء، قررت أمس الأول، ألا أدير مؤشر المحطات على القنوات الإخبارية، وأن أكتفي بالعرس الملكي، ومن بعده مشاهدة فيلم أو مسرحية، حتى أخرج من محارة الحزن التي سجنت نفسي فيها، منذ بداية الثورة التونسية، وحتى اللحظة الراهنة.
وقد استمتعت حقاً على مدى ما يزيد على أربع ساعات ونصف الساعة بتفاصيل هذا العرس، ولكن ما إن انتهى العرس، حتى بدأت أشعر برغبة عارمة في الانتقال سريعاً، إلى القنوات الإخبارية، لمعرفة ما الذي يحدث في العالم العربي.
كبحت جماح رغبتي، وبدأت أبحث عن فيلم كوميدي، فوجدت ضالتي على إحدى القنوات اللبنانية، ومع الابتسامة الأولى، وخزني ضميري وخزة موجعة، وبدأ حديث عتب بيني وبين ذاتي: كيف تستمتعين بفيلم كوميدي فيما الصواريخ تقصف إخوانك هنا وهناك؟
* لكنني إنسانة وقد تعبت من رؤية الموت والخراب، وأريد استراحة ألتقط فيها أنفاسي.
ــ لا تنسي أنك صحافية وما تشاهدينه هو جزء من واجباتك الوظيفية.
؟ أعرف ذلك، ولكني أريد أن أحظى بإجازة.
ــ الصحافي لا يحظى بإجازة فهو صوت الناس، ويجب أن يعبر عنهم، ولو أردت الراحة، فحري بك أن تختاري مهنة أخرى، غير البحث عن المتاعب، وطالما أن حرفة الكتابة قد أدركتك، فاعلمي أن الكتابة الصادقة، لا تخرج إلا من أتون النيران.
* وماذا عن الإنسانة.. هل أقتلها لكي أكتب كتابة صادقة؟
ــ واجبك الذي عاهدت الله عليه أهم من كل شيء.
عندئذٍ وجدت نفسي أسرع للخروج من البيت كمن أصابه مس من النار، وتوجهت إلى بيت أختي، كي نتسامر معاً، فأهرب من وخز الضمير، ولا أشاهد نشرات الأخبار، ولو ليوم واحد فقط.
وما إن وصلت إليها وقرعت الباب، حتى فوجئت بها تغرق في دموعها، وهي تشاهد موقعاً إلكترونياً، يبث مشاهد لقتلى وشهداء من ليبيا، وكان من بين القتلى أطفال ونساء وشيوخ، فأشحت بوجهي عن شاشة الكمبيوتر، ثم قلت لها: لماذا هذا التعذيب القسري؟
لماذا تستهلكين أعصابك؟ ألا يكفيكِ ما يزيد على خمسة أشهر، لا نرى فيها إلا مشاهد القتلى والدماء؟
أجابت بصوت متحشرج: إنهم إخواننا وأخواتنا.. إنهم بنو جلدتنا، من أبناء أمتنا العربية.
مع هذه العبارة الموجزة، تذكرت كلمات نزار قباني: «أنا يا صديقة متعبٌ بعروبتي، فهل العروبة لعنة وشقاء؟».
فقمت على الفور، واخترت كرسياً إلى جوارها، وجلسنا نشاهد أحزاننا العربية، والدموع تتدفق من العيون، فحتى الجمعة اللندنية، لم تتمكن من انتزاع أحزاننا العربية.