لا نختلف كثيرا، ولا حتى قليلا، مع الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية، حول مشكلة تسرب المواطنين من سوق العمل وتقاعدهم مبكرا قبل بلوغ السن القانوني. ونتفق معها حول ضرورة إيجاد ما يشجعهم على الاستمرار في العمل أطول فترة ممكنة، وإلغاء فكرة الخروج المبكر من الخدمة من رؤوس الموظفين، حتى لا تهدر طاقات وطنية قادرة على العمل والعطاء، بل والإبداع كذلك.

خروج يتسبب في استمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية الوافدة، التي لها انعكاسات سلبية على التركيبة السكانية التي تعاني أزمة أزلية في إعادة التوازن إليها، لكن لا شك أن على الهيئة في عملها أن تبحث عن الأسباب الحقيقية التي تجعل من مؤسسات الدولة بيئات طاردة لموظفيها، وتدفع الكثيرين إلى إدارة ظهورهم لها في سن مبكر، في حين كان الأولون من الموظفين يفعلون المستحيل من أجل البقاء في الوظيفة، ويطلبون الواسطات من أجل تحقيق ذلك، والكثير منهم كان يبقى في عمله حتى تقرب ساعته ويتوفاه الله، ولم تكن فكرة التقاعد هذه تراودهم ولم يكونوا يستسيغونها، عكس ما هو حاصل اليوم!

لكن على الشاطئ الآخر نقف عند التعديلات الجديدة على هذا القانون، والتي رفعت سن التقاعد من ‬15 إلى ‬20 عاما حدا أدنى لمدة الخدمة، وعدم حصول المنتهية خدماتهم بالاستقالة، على المعاش التقاعدي إلا ببلوغ سن الـ‬50 عاما، أي إذا تقاعد أحدهم وهو على سبيل المثال في الأربعين، سيبقى ‬10 سنوات بلا راتب تقاعدي، كيف.. العلم عند الله! بما يسد أفواه أبنائه.. ربما بالهواء، كيف يدبر نفسه.. على قد لحافه يمد ريوله، وإذا لم يكن هناك لحاف أصلا.. لا حول ولا قوة إلا بالله..

له الله من تقاعد بعد ‬20 عاما من الخدمة ولم يصل إلى سن الخمسين، أو أجبرته الظروف على ترك الوظيفة لأي سبب كان.. ولعل أكثر الفئات تضررا من هذه التعديلات هن السيدات، سواء العاملات في سلك التدريس أو غيرهن من اللائي يفكرن في التقاعد بعد مضي ‬20 عاما من العمل والخدمة، ومع كل ما قدمن من جهد خالص، ولا يشفع لهن ذلك في التفرغ لأسرهن مع الاحتفاظ بحقوقهن الأخرى.

حقا من المحزن أن يكون هذا هو حال الموظف عندنا بعد التقاعد، خاصة وأن الموقف المالي للهيئة ـ حسب ما هو معلن ـ ليس سيئا، نظراً لاعتمادها على تنويع استثماراتها ما بين آمنة طويلة الأجل توفر موارد مالية مستقبلية، ومتوسطة وقصيرة الأجل توفر سيولة مالية في أي وقت تحتاجها فيه الهيئة للوفاء بالتزاماتها، على الرغم من تأثر بعض أسهم الهيئة بنسب طفيفة إثر الأزمة المالية.

وليس من المنطق أن يتحمل المتقاعدون العجز «الاكتواري» للهيئة، بسبب الفجوة الواسعة بين قيمة الاشتراكات التي تتلقاها، وبين الرواتب التي تدفعها للمستفيدين.