تجـتهد الأسـر كثيرا في تربية أبنائها ذكورا وإناثا، ويسعى الوالدان بكل قوة لتعزيز جـوانب كثـيرة في شخصـيتهم وهم أطفال حتى يشــبوا ويكبروا منطلقين من أهمية التربية الصالحة في بناء كيان الإنسان، لكننا نتساءل هل ما تبذله الأسر في سبيل ذلك يجد من يكمله في مؤسساتنا التعليمية؟

ربما كان هناك من يعتني بذلك ولا ينسى وهو في أروقة المؤسسة التعليمية دوره كولي أمر يساهم إضافة إلى عمله كمعلم أدوارا أكثر أهمية في خلق جيل صالح قوي يعتد بنفسه، يفخر بذاته.

لكن في المقابل هناك فئة من التربــــــويين خاصة في مدارس الذكور من لا يعير هذا الجانب أي اهتمام، ولا يتفهم احتياجات الفـــــــئة العــــمرية من الطـــلاب ممن هم أمانة بين أيديهم، ويخفق في إيجاد حلول مــناسبة لمواقف طلابية شقية، ولا يفهم أن الأسلوب «البوليسي» لمعالجة المشكلات الطلابية لا يجدي نفعا ونتائجه غالبا ما تكون سلبية وسط سخط الطلاب عليه وعلى ممارسه.

مدارسنا تضم عشرات الطلبة، ليس بالضرورة أن يكون كل منها في مستوى تعليمي واحد كما أنه من غير المعقول أن نطالب الجميع بأن يكونوا مماثلين في التقيد باللوائح المعمول بها في المدرسة، والشقاوة سمة طبيعية، وإن اختلفت درجتها من طالب لآخر.

اصطحاب تلميذ صغير جهاز «البلاك بيري» معــه إلى المدرسة ـــ على سبيل المـثال ـــ خطــــأ بلا شك، يستــــــحق أن يعاقب عليه، كما تفـــــعل إدارات المــــدارس الخاصة التي تصادر جهاز الهاتف حتى نهــــاية الفصل وتسلم الطالب شريحة الاتصال والذاكرة، لا كما يفعل بعض المسؤولين في مدارس الحكومة الذي يسمح لنفسه الدخول في محتويات الجهاز بما في ذلك صور شخصية لأسرته لا يحق للغرباء الاطلاع عليها، فضلاً عن توجيه إهانات بالغة للطالب.

الإهانة لا تكون في توجيه الكلمات القاسية والسخرية مما يحويه الجهاز فحسب، بل فيما يتعرض له الصغير من انكسار وتحطيم لشخصيته، وهو يجاهر بتوجيه اللوم إليه على مرأى من الآخرين ويتوسل للمسؤول هذا طلبا للصفح في صورة لا يقبل أحدا أن يرى ابنه عليها، وأخذ هذا الموقف ذريعة لتفتيش مفاجئ لحقيبته ومصادرة ما فيها من أطعمة بحجة أنها غير صحية، وتحريض طلبة آخرين على مراقبة زملائهم ولعب دور المخبرين السريين ولكم أن تتوقعوا تأثير كل ذلك على نفسيات الجميع.

مثل هذا الطالب الذي يعتاد منذ الصغر على الخوف والإهانة والسخرية، هل نتوقع منه أن يشب قويا، بالقطع لا والنماذج أمامنا في مختلف المؤسسات إذ لا يجرؤ الكثير من الموظفين على التعبير عن نفسه وطرح ما يعانيه، وإن فعل فالاتصال يكون من هاتف مجهول، ويتردد كثيرا في ذكر هويته ويحلفك بأغلظ الأيمان عدم الكشف عن شخصيته لأنه يخاف مسؤوله أو مسؤولته ولا يريد قطع لقمة عيشه، وأي عيش بلا كرامة.