لسنا في حاجة إلى وصفات تأتينا من الخارج، ولا إلى دروس خصوصية، لتعليمنا ماهية الديمقراطية، أو لتشرح لنا كيفية تطبيقها، فنحن نمتلك الوعي الخاص بنا، والرؤية العميقة، والقدرة على تطبيق ديمقراطيتنا بالأسلوب الذي نراه صحيحاً وأقرب لواقعنا وثقافتنا وقيمنا الاجتماعية والحضارية.
لدينا برلمان لا شك، ونمتلك مساحة لا بأس بها من حرية التعبير في وسائل الإعلام، وأقول: لا بأس، لأني من مؤيدي رفع السقف إلى أقصى درجة ممكنة، حتى يدخل هواء الحرية النقي، وينساب في كل ملليمتر من الوطن، ولكن الأهم من هذا كله، هو أن لدينا قيادة تحب شعبها، وتفتح عقلها وقلبها ومن قبلهما أذنيها، للإصغاء إلى مطالب وطموحات وأحلام وهموم شعبها، وهي لا تضع الحواجز والحدود، ولا تلجأ إلى وسائل لتوصيل كلام الشعب لها، وإنما تذهب ساعيةً بقدميها إلى الشعب، وتفترش مثله الأرض، وتجلس إلى جواره في صورة أقل ما يمكن وصفها به، هو أنها تذيب الفوارق بين الراعي والرعية، وتجعلهما نسيجاً متلاحماً مترابطاً.
ليست هناك حدود أو (أسلاك شائكة) تمنع المواطن من أن يطرق باب الحاكم، فأبواب دواوين الحكام، وكذا أولياء عهودهم مشرعة مفتوحة على مصاريعها لكل ذي مظلمة، ليس من المواطنين فقط، وإنما من الوافدين الذين تحتضنهم الدولة بكل حب وحنان، طالما أنهم يحفظون النعمة، ويمارسون دورهم في التنمية بتفانٍ وإخلاص.
هذه وسيلة من وسائل التعبير التي قلما يتمتع بها شعب من شعوب العالم، وهي وسيلة رائعة، تجعل الحاكم والمسؤول منفتحاً متصلاً بنبض الشارع اليومي، وتجعل من كل حالة على حدة، ذات أهمية، كون أن الفرصة لدراستها والنظر فيها قائمة ومحتملة، وأيضاً تجعل المواطن يشعر بأن (له ظهر) يستند عليه، متى شعر بأنه في محنة، أو يحتاج إلى ذلك.
وتتخذ دواوين الحكام وأولياء العهود يومياً، عشرات القرارات بالموافقة، على تحمل تكاليف علاج أو سفر مرضى للعلاج للخارج، وتسديد ديون عن بعض المتعثرين، وتخصيص وحدات سكنية للبعض الآخر، وتعيين بعض الباحثين عن عمل، وما إلى ذلك من قرارات إنسانية مهمة، تمسح الدمع من العيون، وتمحو الحزن من القلوب.
غير أن دواوين الحكام وأولياء العهود والشيوخ بعامة، ومجالسهم التي يفد إليها المواطنون، ليست القناة الوحيدة، لتوصيل صوت المواطن إلى شعبه، فهؤلاء يذهبون بأنفسهم إلى الشعب، ولا ينتظرون أن يأتي الشعب إليهم، وهذا ليس تقليداً جديداً، فقد طبقه المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ومن بعدهما مضى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله. فكثيراً ما كان المواطنون يفاجأون بالحاكم يسعى بينهم، في الحضر أو في المناطق البدوية، وكم من المرات، التي اتخذت فيها قرارات مهمة، بناءً على معلومات تم استقاؤها مباشرةً من أفواه المواطنين.
ومثلما يحرص صاحبا السمو رئيس الدولة ونائب رئيس الدولة، على نهج (السعي إلى المواطن) لا انتظاره حتى يأتي بنفسه، يحرص سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة على نفس النهج، فقد بدأ سموه أمس جولة في الإمارات الشمالية، للالتقاء بالمواطنين والتعرف على قضاياهم مباشرة، ومن المقرر أن يستقر سموه في منطقة بياتة التابعة لإمارة أم القيوين ثلاثة أيام، ليكون على تواصل مع أكبر عدد ممكن من أبناء هذه المنطقة، ومن ثم يتخذ القرارات بعد دراسة الواقع.
وخلال مثل هذه الجولات يكون مشهداً مألوفاً، أن يفترش الحاكم أو ولي العهد الأرض، إلى جوار أبسط المواطنين، ويتناولا التمر ويحتسيا القهوة العربية، كما لو كانا صديقين حميمين، ولا أخفيكم سراً أن أقول أن بعض البسطاء قد يبالغون في مطالبهم، أو لا يحسنون فن مخاطبة الشخصيات ذات الشأن، ورغم ذلك لا يكون الرد عليهم، إلا ابتسامة حانية وصدر رحب يستوعب أن ما يتخذونه من سلوك، إنما هو من باب حسن الظن، أو كما يقول المصريون: من باب العشم!
هذه إذن صورة أخرى للديمقراطية، ليست الصورة المألوفة والمتعارف عليها في العالم الغربي، لكنها صورتنا نحن، لذلك فهي أقرب إلينا، وأكثر اتساقاً وتعبيراً عن واقعنا، ولذلك أيضاً نحن نحبها.