لا شك أن رضى الموظفين، كما هو حال سائر الناس، غاية لا تدرك في كل الأحوال، لكن أيضاً أن يكون التذمر حالة شبه عامة في بعض المؤسسات الحكومية ـ على وجه الخصوص ـ فهو أيضاً أمر لا يطاق، وأن يسمح البعض من المسؤولين ممن سلطتهم الظروف وفرضتهم على رقاب الناس، لنفسه أن يعاملهم كعبيد لديه، وقد ولى زمن العبودية، التي أصبحت تتخذ أشكالاً عدة وصوراً كثيرة في مؤسسات الحكومة، بعيداً عن قوة القانون الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين الرئيس والمرؤوس.
رجال ونساء في أيديهم الحل والربط في جهات عدة، يشكلون دوائر وحلقات غير مكتملة، يجثمون على صدور الموظفين، يحكمون ويمارسون أشكال العنف والذل والظلم ضد من يعملون معهم، في عرف هؤلاء «يعملون عندهم» وبالتالي من حقهم أن يفعلوا فيهم ما يشاؤون، يعيثون في كراسيهم ومناصبهم فساداً إلى أن ينزل فيهم حكم «الحجاج بن يوسف الثقفي» فتقطع الرؤوس التي أينعت، لله در من تجرأ على ضربها، ووضع حداً للثبات الإجباري في المنصب لسنوات، هي أشبه بسنوات رقدة أهل الكهف، تجرع من كان قدره أن يكون تحت إمرتهم المر كله، وذاق صنوف الذل في إدارة «ديكية في أثواب امرأة»!
في ظلم الإنسان لأخيه، وتعاليه عليه أينما كان، ينسى أنه ليس أكثر من كائن طعامه «رجيع» نحلة، ولباسه «رجيع» دودة، وعلى الرغم من ذلك يركب أعلى ما في خيله، ويبطش بكل ما لديه، حتى من يستقبلهم بالأحضان لا يتردد في ركلهم بظهر الأقدام، ينكر الجميل ويعض اليمين وكأنه مخلد، ناسياً أو متناسياً أن بريق المنصب وسطوة الكرسي يتخليان عنه بمجرد وداعه.
تتعالى الأصوات من هنا وهناك تئن وتشكو وطأة ما يتعرضون له على أيدي هذه الفئة من المسؤولين، التي أباحت لنفسها ظلم موظفين لا حول لهم ولا قوة، سوى الإذعان لسطوة القوي وبطشه، ما يعصف بمتطلبات خلق بيئة عمل مثالية، أو على الأقل مناسبة لتحقيق أفضل الممارسات في الأداء والإنتاج، بدلاً من بعثرة تلك الجهود وتشتيتها في ما لا يخدم العمل، ولا يساهم في تحقيق أي نمو.